بين قبضة الأمن وغليان الشارع: هل تمضي السلطات نحو حافة الانفجار؟

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في لحظة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، تعود إلى الواجهة سياسات تحريك الأوامر القهرية واعتقال القيادات والناشطين، كخيار يبدو للوهلة الأولى أنه يسعى إلى فرض السيطرة، لكنه في العمق يثير تساؤلات جدية حول جدواه وتداعياته على المدى القريب والبعيد. فالمشهد العام لا يحتمل مزيدًا من الاحتقان، والشارع الذي يئن تحت وطأة الأزمات المعيشية والخدمية لم يعد مستعدًا لتلقي صدمات إضافية قد تدفعه نحو ردود فعل غير محسوبة.
تؤكد معطيات الواقع أن اللجوء إلى القبضة الأمنية في مثل هذه الظروف لا يفضي إلى الاستقرار بقدر ما يعمّق فجوة الثقة بين السلطات والمجتمع. فبدلاً من احتواء التوتر، قد تتحول هذه الإجراءات إلى شرارة تُشعل موجات جديدة من الغضب، وتفتح الباب أمام دورات متكررة من العنف، يصعب السيطرة عليها أو التنبؤ بمآلاتها. كما أن استهداف شخصيات ذات حضور اجتماعي أو سياسي لا يُقرأ فقط كإجراء قانوني، بل يُفسَّر في كثير من الأحيان كرسالة تصعيد، تُغذّي الشعور بالاستهداف وتزيد من حدة الاستقطاب.
وفي ظل واقع خدمي متدهور، حيث تتصدر معاناة المواطنين اليومية قائمة الأولويات، تبدو هذه السياسات بعيدة عن معالجة جوهر الأزمة. فلا اعتقالات قادرة على توفير الكهرباء، ولا الإجراءات القسرية ستعيد الاستقرار الاقتصادي أو تحسن مستوى الخدمات. بل على العكس، قد تؤدي إلى تشتيت الجهود والموارد، وتغليب المقاربة الأمنية على حساب الحلول التنموية والإدارية التي ينتظرها الناس.
المراقبون يرون أن المرحلة الراهنة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي السياسي والمرونة في التعاطي مع التعقيدات القائمة. فالمشهد لم يعد بسيطًا أو قابلًا للحلول التقليدية، بل يحتاج إلى قراءة عميقة لموازين القوى، وفهم دقيق لحساسية الشارع وتطلعاته. كما أن إدارة الأزمات لا تكون بتضييق المساحات، بل بتوسيعها عبر الحوار والانفتاح، وبناء جسور الثقة مع مختلف المكونات.
إن الإصرار على المضي في سياسات قد تُفهم كنوع من التصعيد، يحمل في طياته مخاطر الانزلاق نحو ما يمكن وصفه بـ"الانتحار السياسي"، حيث تخسر السلطات ما تبقى من رصيدها الشعبي، وتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع مجتمع مثقل بالهموم، لكنه لا يزال قادرًا على التعبير والاحتجاج. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الخسائر سياسية فقط، بل تمتد لتطال السلم الاجتماعي والاستقرار العام.
وفي المحصلة، يبقى الخيار الأكثر عقلانية هو تبني مقاربة متوازنة، تُقدّم المعالجات الواقعية على الإجراءات القسرية، وتضع مصلحة المواطن في صدارة الأولويات. فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالحكمة، وأن الدول التي تنجح في عبور أزماتها هي تلك التي تُحسن الإصغاء لشعوبها، لا تلك التي تكتفي بإسكاتها.

فيديو