اتفاقية مسقط وإرادة الجنوب: بين الغموض السياسي وحتمية الحسم الشعبي

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                  

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد اليمني منذ انطلاق عمليات “عاصفة الحزم”، برزت تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية لتلك الحرب، التي رُفعت تحت شعار دعم “الشرعية” واستعادة الدولة. فمع مرور الوقت، لم تعد هذه الشعارات كافية لتفسير تعقيدات الواقع، إذ كشفت التطورات الميدانية والسياسية عن طبقات أعمق من الصراع، تتجاوز العناوين المعلنة إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخليًا وإقليميًا.
ومع تراجع زخم العمليات العسكرية المباشرة، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها التفاهمات السياسية غير المعلنة، والتي يُعتقد أن “اتفاقية مسقط” تمثل أحد أبرز تجلياتها. هذه الاتفاقية، التي تدور حولها الكثير من التكهنات، تُقدَّم من قبل بعض المراقبين كإطار لإعادة صياغة المشهد اليمني، شمالًا وجنوبًا، وفق ترتيبات تتجاوز الإرادة المحلية وتعكس مصالح إقليمية أوسع.
في هذا السياق، برزت “الشرعية” كأداة سياسية أكثر من كونها مشروعًا فعليًا لاستعادة الدولة، حيث جرى توظيفها ضمن توازنات مرحلية قبل أن يتراجع حضورها تدريجيًا مع تغير موازين القوى. هذا التحول يعكس طبيعة الصراع الذي لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين أطراف إقليمية ودولية، إلى جانب القوى المحلية المتباينة.
وبحسب قراءات سياسية متداولة، فإن “اتفاقية مسقط” قد تتضمن تفاهمات غير معلنة تمس جوهر القضية اليمنية، بما في ذلك إعادة رسم حدود النفوذ بين الشمال والجنوب، عبر مقايضات سياسية واقتصادية. ففي حين يُقال إن بعض الأطراف الجنوبية أبدت مرونة تجاه جوانب سياسية معينة، باعتبار أن قضايا الشمال شأن داخلي يخص أبناءه، إلا أن الجانب الاقتصادي ظل محل رفض واسع، لارتباطه المباشر بالسيادة والثروات في الجنوب.
هذا الغموض الذي يكتنف هذه التفاهمات أثار حالة من القلق والجدل في الشارع، سواء في الشمال أو الجنوب، حيث يرى كثيرون أن غياب الشفافية يفتح الباب أمام ترتيبات قد لا تعكس تطلعات المواطنين، بل تخدم توازنات القوى الإقليمية.
في الجنوب، يأخذ الصراع منحى مختلفًا، إذ تتقاطع تطلعات شريحة واسعة من السكان نحو استعادة دولتهم المستقلة، مع تدخلات إقليمية تسعى إلى فرض واقع سياسي جديد. ويرى مراقبون أن هذا الواقع يعكس استمرار صراع النفوذ أكثر من كونه مسارًا حقيقيًا نحو حل جذري وعادل للقضية.
وتكشف قراءة المشهد الحالي أن الأزمة اليمنية لم تعد داخلية فحسب، بل أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية معقدة، تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي خضم هذا التشابك، تظل الحقيقة غائبة أو مغيّبة، بينما يدفع المواطن البسيط الثمن الأكبر من معاناته اليومية.
في المقابل، يبرز خيار استعادة دولة الجنوب—وفق حدود ما قبل عام 1990—كطرح سياسي تتبناه قطاعات واسعة، وترى فيه مخرجًا ممكنًا من الأزمة. ويستند هذا الطرح إلى قناعة بأن جذور الصراع تعود إلى مسار الوحدة وما رافقه من اختلالات سياسية واقتصادية وأمنية، وأن معالجة هذه الجذور قد تمهد لإنهاء الصراع بشكل شامل.
ويؤكد أنصار هذا التوجه أن إرادة الشعب تمثل العامل الحاسم في تحديد المستقبل السياسي، مشيرين إلى أن الدخول في الوحدة تم بصورة سلمية، وبالتالي فإن الخروج منها—إن حدث—يجب أن يتم بالآلية ذاتها. ويراهنون على قدرة الحراك الشعبي على تحويل هذه الرؤية إلى واقع، رغم التحديات الإقليمية والدولية المعقدة.
وفي ظل كل هذه المعطيات، تظل قضية الجنوب واحدة من أكثر ملفات الأزمة اليمنية حساسية وتشابكًا، حيث يرتبط حلها بمدى قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة، بعيدًا عن الصفقات الغامضة أو الحلول المؤقتة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستُحسم ملامح المرحلة القادمة عبر تفاهمات غير معلنة، أم أن الإرادة الشعبية ستكون الكلمة الفصل في رسم مستقبل الجنوب واليمن عمومًا؟

فيديو