رهان الوحدة الخاسر.. كيف كشف تخادم الشرعية والحوثي سقوط المشروع اليمني أمام إرادة الجنوب؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن|| عين الجنوب ||خاص:
منذُ اندلاع الحرب اليمنية وما رافقها من تحولات سياسية وعسكرية عميقة، ظل شعار الحفاظ على الوحدة اليمنية حاضرًا في خطاب القوى السياسية اليمنية بمختلف توجهاتها، باعتباره الهدف الذي يجب أن تتوحد حوله الجهود وتُبذل من أجله التضحيات. غير أن السنوات الماضية كشفت واقعًا مختلفًا تمامًا عن الشعارات المرفوعة، وأظهرت أن أطرافًا يفترض أنها تخوض حربًا وجودية ضد بعضها البعض باتت تلتقي عند نقطة واحدة تتمثل في رفض أي مشروع سياسي يعبر عن إرادة الجنوب أو يمنح الجنوبيين حق تقرير مستقبلهم.
ففي الوقت الذي استمرت فيه المواجهات العسكرية والسياسية بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي، لاحظ كثير من المتابعين وجود تقاطعات واضحة في المواقف والخطابات تجاه القضية الجنوبية. وكلما برزت إنجازات سياسية أو عسكرية جنوبية، أو اقتربت القضية الجنوبية من تحقيق مكاسب جديدة، ارتفعت الأصوات من مختلف الأطراف اليمنية للتحذير من ما تصفه بمخاطر الانفصال، وكأن الخلافات والصراعات الحادة بينها تتراجع أمام أولوية الحفاظ على مشروع الوحدة الذي سقط عمليًا منذ سنوات.
لقد أثبتت الأحداث أن الدولة اليمنية التي قامت عام 1990 تعرضت لتفكك عميق أفقدها معظم مقوماتها الأساسية. فالعاصمة صنعاء خارج سيطرة الحكومة، والمؤسسات السيادية منقسمة، والقرار السياسي موزع بين قوى متصارعة، فيما تعيش البلاد واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخها الحديث. ورغم هذا الواقع، ما زالت بعض القوى السياسية تتعامل مع الوحدة باعتبارها مشروعًا قائمًا يمكن استعادته عبر الخطابات والشعارات، متجاهلة أن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة تمامًا.
وفي المقابل، تمكن الجنوب خلال السنوات الماضية من بناء واقع سياسي وأمني جديد، مستندًا إلى تضحيات كبيرة قدمها أبناؤه في مختلف المراحل. فقد استطاعت القوات الجنوبية تثبيت الأمن في العديد من المناطق، وخاضت معارك شرسة ضد التنظيمات الإرهابية، كما نجحت القيادات الجنوبية في فرض القضية الجنوبية كملف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي نقاشات أو تسويات تتعلق بمستقبل المنطقة.
ويرى كثير من الجنوبيين أن حالة التخادم غير المعلن بين بعض مكونات الشرعية والحوثيين أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، خاصة عندما يتعلق الأمر باستهداف الجنوب سياسيًا أو إعلاميًا. فالمواقف المتشابهة والخطابات المتقاربة تجاه القضية الجنوبية عززت من القناعة بأن هناك مصالح مشتركة تجمع هذه الأطراف حول هدف منع الجنوب من استعادة دولته وهويته السياسية، حتى وإن ظلت الخلافات قائمة بينها في ملفات أخرى.
وخلال السنوات الأخيرة، راهنت قوى عديدة على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية ستؤدي إلى إضعاف المشروع الجنوبي أو تفكيك حاضنته الشعبية، إلا أن النتائج جاءت معاكسة تمامًا. فكلما ازدادت الأزمات وتعقدت المشهدية اليمنية، ازداد حضور القضية الجنوبية في الوعي الشعبي، وتعززت القناعة لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب بأن مستقبلهم لا يمكن أن يبنى على مشاريع أثبتت التجارب فشلها وعجزها عن تحقيق الاستقرار أو الشراكة الحقيقية.
كما أن التحولات الإقليمية والدولية الجارية أكدت أن أي تسوية سياسية لا تراعي تطلعات الجنوبيين ولا تعترف بخصوصية قضيتهم ستظل تسوية ناقصة ومعرضة للفشل. فالقضية الجنوبية لم تعد مجرد مطلب سياسي محدود، بل أصبحت واقعًا حاضرًا في المعادلة السياسية والعسكرية لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه مهما تعددت المبادرات أو تبدلت التحالفات.
واليوم، وبعد أكثر من عقد من الصراع والانقسامات، تبدو حقيقة المشهد أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فالمشروع الذي ظل يراهن على إعادة إنتاج واقع تجاوزته الأحداث يواجه تحديات متزايدة، بينما رغم ان الاونه الاخيره كشفت تخادم واضح بين الحوثيين والشرعيه غير ان الجنوب يواصل ترسيخ حضوره السياسي والعسكري والشعبي، مستندًا إلى إرادة واسعة ترى أن مستقبل الجنوب يجب أن يصنعه أبناؤه وفق مصالحهم وتطلعاتهم الوطنية.
وبين شعارات الوحدة التي فقدت الكثير من بريقها تحت وطأة الواقع، وبين إرادة جنوبية تزداد حضورًا وثباتًا، تتشكل معادلات جديدة تؤكد أن إرادة الشعوب تظل العامل الأكثر تأثيرًا في رسم المستقبل، وأن المشاريع التي تتجاهل هذه الإرادة مهما امتلكت من أدوات القوة والدعم تبقى عاجزة عن الصمود أمام حقائق الأرض ومتغيرات الزمن.

فيديو