الاستنساخ السياسي في الجنوب.. هل تقود المجالس التنسيقية إلى إعادة إنتاج نموذج "المشرفين"؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن. عين الجنوب||خاص              

تشهد الساحة الجنوبية خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا في الجدل السياسي حول التحركات الرامية إلى إنشاء ما يُعرف بـ"المجالس التنسيقية"، وهي مبادرة أثارت موجة واسعة من التباين في المواقف، بين من يراها محاولة لإيجاد أطر سياسية جديدة، ومن يعتبرها مشروعًا لإعادة تشكيل المشهد الإداري والسياسي بآليات مشابهة لتجارب شهدتها مناطق أخرى من اليمن.
وفي هذا السياق، تتزايد التحذيرات داخل الأوساط السياسية الجنوبية من أن هذه الخطوة قد تمثل تحولًا يتجاوز مجرد إنشاء كيان سياسي جديد، لتلامس – بحسب منتقديها – طبيعة العلاقة بين السلطات المحلية ومراكز القرار، وما قد يترتب على ذلك من إعادة توزيع للصلاحيات والنفوذ داخل المحافظات الجنوبية.
ويرى مراقبون أن التجربة التي اعتمدتها جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها، والقائمة على تعيين مشرفين يتولون إدارة الملفات المختلفة بالتوازي مع مؤسسات الدولة، خلقت نموذجًا ألغى فعليًا الدور التنفيذي للسلطات المحلية، وحوّلها إلى هياكل شكلية تفتقد القدرة على اتخاذ القرار، بينما انتقلت السلطة الحقيقية إلى المشرفين المرتبطين مباشرة بالقيادة العليا للجماعة.
وبحسب آراء متداولة في الشارع الجنوبي، فإن مشروع المجالس التنسيقية يثير مخاوف من إمكانية تكرار نموذج مشابه، يقوم على إنشاء كيانات موازية قد تؤدي تدريجيًا إلى تقليص صلاحيات السلطات المحلية المنتخبة أو المعينة، وإيجاد مراكز نفوذ جديدة تتحكم في القرار السياسي والإداري بعيدًا عن المؤسسات الرسمية.
ويؤكد منتقدو المشروع أن الجنوب يمر اليوم بمرحلة تتطلب معالجة الأولويات الخدمية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، في ظل استمرار تراجع الخدمات الأساسية، وانهيار العملة، واتساع الأزمات المعيشية، معتبرين أن الانشغال ببناء كيانات سياسية جديدة لا يمثل استجابة لهذه التحديات، بل قد يزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
كما يذهب بعض المحللين إلى أن إنشاء مثل هذه المجالس قد يفتح الباب أمام ازدواجية في مراكز القرار، وهو ما قد يؤدي إلى تضارب الصلاحيات بين المؤسسات القائمة والكيانات المستحدثة، الأمر الذي ينعكس على أداء الأجهزة التنفيذية والإدارية، ويؤثر على كفاءة إدارة المحافظات.
وفي السياق ذاته، تطرح تساؤلات بشأن الجهات التي تقف خلف هذه التحركات، إذ تشير بعض الآراء السياسية إلى وجود دعم إقليمي يسعى إلى إعادة هندسة المشهد السياسي في الجنوب عبر إنشاء أطر جديدة توازي المؤسسات القائمة، بما يخدم رؤية مختلفة لإدارة المرحلة المقبلة. إلا أن هذه الطروحات تبقى محل جدل ولم تصدر بشأنها تأكيدات مستقلة.
ويرى معارضو المشروع أن أي محاولة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية الجنوبية بعيدًا عن التوافق الوطني قد تؤدي إلى زيادة حالة الانقسام، وإضعاف التماسك المجتمعي الذي تشكل خلال السنوات الماضية في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية.
ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن التجارب السابقة أثبتت – من وجهة نظرهم – أن إنشاء كيانات موازية غالبًا ما ينتهي بإضعاف مؤسسات الدولة بدلًا من تعزيزها، وهو ما يجعل المخاوف من تكرار تلك التجارب حاضرة بقوة في النقاشات الدائرة حول مستقبل الجنوب.
وفي المقابل، يرى مؤيدو القوى السياسية الجنوبية الرافضة لهذه المبادرات أن الحفاظ على وحدة القرار السياسي يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن أي مشاريع جديدة ينبغي أن تنطلق من توافق وطني واسع، لا من ترتيبات تفرضها ظروف سياسية أو تدخلات خارجية.
وتبقى قضية المجالس التنسيقية واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل الجنوب، في ظل تباين الرؤى حول أهدافها الحقيقية، وما إذا كانت ستشكل إضافة للمشهد السياسي أم ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب وإعادة توزيع النفوذ. وبين هذا وذاك، يظل مستقبل هذه المبادرات مرتبطًا بمدى قدرتها على تحقيق قبول شعبي وسياسي، وبما ستكشفه التطورات القادمة من طبيعة الدور الذي ستلعبه في معادلة الجنوب المعقدة.

فيديو