عندما يعاد هندسة الإدارة المحلية؟ مخاوف من مشاريع موازية تُثير الجدل حول مستقبل مؤسسات الدولة في الجنوب

تقارير - منذ ساعتان

عدن ،عين الجنوب || خاص        

تشهد الساحة الجنوبية نقاشًا متصاعدًا بشأن طبيعة الترتيبات الإدارية الجديدة التي يجري الحديث عنها في عدد من المحافظات، وسط تحذيرات من أن إنشاء كيانات تنسيقية موازية قد يقود إلى إضعاف مؤسسات السلطة المحلية وتقليص صلاحياتها، بما ينعكس على أداء الأجهزة التنفيذية والخدمية ويثير تساؤلات حول مستقبل الإدارة المحلية في المرحلة المقبلة.
وتزايدت هذه المخاوف عقب تصريحات لصحفيين واعلاميين جنوبيين ، اعتبروا فيها أن بعض المشاريع المطروحة تحت مسمى "المجالس التنسيقية" تتجاوز الإطار الإداري الطبيعي، وتمثل محاولة لإعادة تشكيل بنية الإدارة المحلية بعيدًا عن القوانين المنظمة لعملها، الأمر الذي قد يخلق مؤسسات موازية تتداخل مع اختصاصات السلطات التنفيذية القائمة.
ويرى مراقبون أن جوهر الجدل لا يتعلق بفكرة التنسيق الإداري بحد ذاتها، وإنما بالكيفية التي يتم بها تطبيقها، وما إذا كانت ستظل أداة لتطوير الأداء بين المؤسسات، أم ستتحول إلى كيانات تمتلك صلاحيات فعلية على حساب السلطات المحلية المنتخبة أو المعينة وفق القانون.
ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن السلطة المحلية، بموجب التشريعات النافذة، تمتلك اختصاصات واضحة في إدارة المحافظات والمديريات، وأن أي آليات جديدة ينبغي أن تعمل ضمن هذا الإطار القانوني، لا أن تصبح بديلاً عنه أو تنتزع جزءًا من صلاحياته بصورة غير مباشرة.
ويحذر مختصون في الشأن الإداري من أن تضخم الهياكل الموازية قد يؤدي إلى ازدواجية في اتخاذ القرار، وإرباك في توزيع المسؤوليات، فضلًا عن خلق تضارب بين الجهات التنفيذية المختلفة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستوى الخدمات العامة، خصوصًا في القطاعات الحيوية مثل التربية والتعليم والصحة والخدمات الأساسية.
كما يشير مراقبون إلى أن تراجع صلاحيات الإدارات المحلية قد يضعف قدرة المسؤولين التنفيذيين على إدارة مؤسساتهم، إذا أصبحت القرارات تصدر عبر قنوات موازية لا تخضع للإجراءات القانونية المعتادة، وهو ما قد يحول بعض المناصب التنفيذية إلى مواقع شكلية تفتقر إلى أدوات اتخاذ القرار.
وفي قطاع التعليم على وجه الخصوص، يرى تربويون أن استقرار العملية التعليمية يتطلب وضوحًا في التسلسل الإداري وتحديدًا دقيقًا للمسؤوليات، محذرين من أن تعدد مراكز القرار قد يؤدي إلى إرباك العمل داخل المكاتب التنفيذية، ويؤثر على تنفيذ الخطط والبرامج التعليمية.
وفي المقابل، يذهب مؤيدو إنشاء المجالس التنسيقية إلى أنها قد تسهم في تعزيز التنسيق بين الجهات المختلفة وتسريع معالجة بعض الملفات، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، إلا أن منتقدي هذه الفكرة يشددون على أن نجاح أي تجربة جديدة يجب أن يكون مرهونًا باحترام القوانين النافذة وعدم المساس بصلاحيات مؤسسات الدولة.
ويؤكد عدد من المهتمين بالشأن المحلي أن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يتحقق عبر استحداث هياكل موازية، بل من خلال تفعيل مؤسسات السلطة المحلية، وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها كاملة، وضمان وصول الموازنات والإيرادات عبر القنوات الرسمية، مع تعزيز منظومة الشفافية والرقابة على المشاريع والتمويلات المختلفة.
ويرى متابعون أن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة دقيقة لأي ترتيبات تنظيمية جديدة، بما يضمن الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة ومنع تضارب الاختصاصات، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجه المحافظات الجنوبية، والتي تستدعي وجود إدارة مستقرة وواضحة الصلاحيات.
ويختتم مراقبون قراءتهم بالتأكيد على أن مستقبل الإدارة المحلية سيظل مرتبطًا بمدى الالتزام بالإطار القانوني المنظم لعمل مؤسسات الدولة، وأن أي إصلاح إداري ينبغي أن يعزز من كفاءة المؤسسات القائمة، لا أن يفتح الباب أمام إنشاء كيانات موازية قد تثير مزيدًا من الجدل حول توزيع الصلاحيات وآليات إدارة الشأن العام.

فيديو