الجنوب بين إرادة شعب ومشاريع النفوذ.. الشعوب لا تُخضع بالقوة ولا تُنتزع قناعاتها بالسلاح

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن ||عين الجنوب ||خاص:
في خضم المشهد السياسي المعقد الذي تشهده المنطقة، وتحديدًا في الجنوب العربي، تتزايد المؤشرات على أن الصراع لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر بين قوى متنافسة، بل بات مواجهة مفتوحة بين إرادة شعب يتمسك بحقه في تقرير مستقبله، ومشاريع نفوذ تسعى إلى فرض واقع سياسي يخدم مصالحها، بعيدًا عن تطلعات أبناء الأرض وحقهم في اختيار شكل دولتهم ومستقبلهم.
وفي هذا السياق، أعاد الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور حسين لقور بن عيدان تسليط الضوء على طبيعة الصراع الدائر حول الجنوب، مؤكدًا أن الشعوب لا يمكن إخضاعها بالقوة، ولا يمكن فرض القناعات والمشاريع السياسية عليها مهما امتلكت الأطراف الأخرى من أدوات الضغط والنفوذ والمال والسلاح.
ويرى لقور أن بعض القوى التي تبدو متباعدة فكريًا وسياسيًا قد تجد نفسها متحالفة أو متقاطعة عندما يتعلق الأمر بالمصالح والنفوذ، مشيرًا إلى أن العفاشيين والحوثيين والإصلاحيين والتيارات السلفية المرتبطة بهم، رغم اختلاف الشعارات والمشاريع التي ترفعها، تلتقي في نهاية المطاف عند مصالح سياسية واقتصادية وتجارية مرتبطة بالجنوب.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في المشهد؛ إذ إن القوى التي خاضت صراعات طويلة فيما بينها، واختلفت حول السلطة والنفوذ والمرجعيات السياسية والفكرية، يمكن أن تتقاطع عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على مصالحها داخل الجنوب، الأمر الذي يطرح تساؤلات واسعة حول حقيقة التحالفات السياسية، وما إذا كانت المبادئ والشعارات هي التي تحكم مواقف تلك القوى، أم أن المصالح والنفوذ هما العامل الحاسم في رسم تحركاتها.
حين تتقدم المصالح على المبادئ
لقد أثبتت التجارب السابقة أن بعض القوى السياسية لا تنظر إلى السلطة باعتبارها وسيلة لخدمة الشعوب، وإنما تتعامل معها باعتبارها غنيمة ومصدرًا للنفوذ والثروة. وعندما تتحول السلطة إلى هدف بحد ذاته، تصبح الشعوب ومصالحها ضحية لصراعات لا تنتهي، وتتحول الأوطان إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات ومراكمة النفوذ.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار محاولات فرض المشاريع السياسية بالقوة لا يمكن أن يقود إلى استقرار دائم، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على القهر، ولا على الإقصاء، ولا على تجاهل إرادة الناس، بل يقوم على الاعتراف بحقوق الشعوب واحترام خياراتها السياسية والوطنية.
فالجنوب، الذي دفع أثمانًا باهظة خلال عقود طويلة من الصراعات، لم يعد مستعدًا للعودة إلى مربع الوصاية أو أن يكون ساحة لتجارب سياسية جديدة تُفرض من الخارج أو تُدار وفق مصالح قوى لا تنتمي إلى تطلعات أبنائه.
إرادة الشعوب أقوى من أدوات القمع
إن التاريخ السياسي الحديث أثبت أن القوة قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها عاجزة عن صناعة قناعة دائمة. وقد تستطيع الجيوش السيطرة على المدن، وقد تتمكن القوى السياسية من فرض ترتيبات مؤقتة، لكن لا يمكن لأي قوة أن تنتزع من الشعوب حقها في التفكير، أو أن تجبرها على التخلي عن قناعاتها الوطنية والسياسية.
ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يتجاهل إرادة أبناء الجنوب، أو يحاول الالتفاف على تطلعاتهم، سيظل مشروعًا ناقصًا ومصدرًا دائمًا للتوتر وعدم الاستقرار. فالقضايا الوطنية لا تُحل بالصفقات المغلقة، ولا بالمساومات التي تتجاهل أصحاب الحق، ولا بمحاولات صناعة بدائل سياسية لا تمتلك الحاضنة الشعبية.
إن احترام إرادة الشعوب ليس ترفًا سياسيًا، بل هو أساس أي حل مستدام. وكل محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وفتح أبواب جديدة للصراع.
الجنوب ليس غنيمة سياسية
وفي قلب هذا الصراع، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن الجنوب ليس غنيمة تتقاسمها القوى المتصارعة، ولا ورقة تفاوضية تُستخدم لتحقيق مكاسب إقليمية أو حزبية، ولا ساحة مفتوحة لتجارب سياسية تُفرض بالقوة.
فالجنوب أرض وشعب وتاريخ وهوية، وأبناؤه، مهما اختلفت توجهاتهم السياسية، يملكون الحق الكامل في تقرير مستقبلهم، واختيار مشروعهم السياسي، وتحديد شكل الدولة التي يريدونها، بعيدًا عن الإملاءات والوصاية ومشاريع الهيمنة.
ولذلك، فإن أي طرف يسعى إلى فرض قناعاته على شعب بأكمله، أو يعتقد أن استخدام القوة كفيل بإسكات المطالب الوطنية، إنما يكرر أخطاء تاريخية أثبتت الأيام فشلها. فالمجتمعات قد تصمت مؤقتًا تحت الضغط، لكنها لا تتخلى بالضرورة عن قناعاتها، وقد تتراجع تكتيكيًا، لكنها تعود إلى مطالبها عندما تتوفر الظروف المناسبة.
تحالفات متناقضة ومصالح مشتركة
ويكشف المشهد السياسي الراهن أن التناقضات الأيديولوجية بين بعض القوى لا تمنعها من الالتقاء عندما تتقاطع المصالح. فالقوة السياسية التي ترفع شعارًا معينًا قد تجد نفسها في موقع واحد مع قوة أخرى تختلف معها جذريًا، إذا كان الهدف المشترك هو الحفاظ على النفوذ أو منع تغيير الواقع القائم.
وهذا النوع من التحالفات، وإن بدا متناقضًا في الظاهر، يصبح مفهومًا عندما تتقدم المصالح على المبادئ، وتتحول القضايا الوطنية إلى أدوات للمساومة السياسية.
غير أن هذه التحالفات تظل عاجزة عن الصمود طويلًا أمام إرادة الشعوب، لأن الشعوب لا تنظر إلى التحالفات المؤقتة بقدر ما تنظر إلى مصالحها وحقوقها ومستقبلها. ومن هنا، فإن أي مشروع لا يحظى بالقبول الشعبي سيظل معرضًا للاهتزاز مهما امتلك من أدوات القوة.
لا استقرار دون الاعتراف بإرادة أبناء الجنوب
إن الطريق نحو الاستقرار في الجنوب لا يمر عبر الإقصاء أو الهيمنة أو فرض الوصاية، بل يبدأ من الاعتراف بحقيقة أن أبناء الجنوب هم أصحاب المصلحة الأولى في تحديد مستقبلهم.
ولا يمكن بناء سلام حقيقي على تجاهل القضية الجنوبية، كما لا يمكن إنتاج استقرار دائم عبر حلول مؤقتة تتجاوز جوهر المشكلة. فالسلام الذي لا يعالج جذور الصراع سيظل هشًا، وأي تسوية لا تقوم على احترام إرادة أصحاب الأرض ستبقى مجرد تأجيل لانفجار جديد.
لقد آن الأوان للتعامل مع الجنوب باعتباره قضية شعب، لا مجرد ملف سياسي، ومع أبنائه باعتبارهم أصحاب حق، لا مجرد أطراف يمكن تجاوزها أو تهميشها.
الخلاصة: منطق القوة يسقط أمام قوة الإرادة
في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الشعوب لا تُهزم بسهولة، ولا تُخضع إلى الأبد، ولا يمكن إجبارها على تبني قناعات لا تؤمن بها.
قد تتغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتراجع قوى وتظهر أخرى، لكن إرادة الشعوب تبقى العامل الأكثر تأثيرًا في صناعة المستقبل.
ومن الجنوب، تبدو الرسالة واضحة: لا يمكن فرض مشروع سياسي بالقوة، ولا يمكن انتزاع القناعة بالإكراه، ولا يمكن بناء استقرار حقيقي على الإقصاء والهيمنة. فالمستقبل، في نهاية المطاف، سيكون لمن يحترم إرادة الناس، ويؤمن بحقهم في تقرير مصيرهم، ويقبل بأن الشعوب ليست غنائم سياسية، وأن الأرض لا تُدار بمنطق الوصاية، بل بمنطق الشراكة والحق والاعتراف بإرادة أصحابها.

فيديو