من اليمن إلى السودان.. الحوثيون يوسّعون شبكة النفوذ الإيراني عبر البحر الأحمر ويدخلون على خط تدريب الفصائل المسلحة

تقارير - منذ 5 ساعات

عدن || عين الجنوب|| خاص:
تتسع خريطة النفوذ المرتبط بإيران في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بصورة تثير مخاوف أمنية متزايدة، مع بروز مؤشرات جديدة على انتقال الخبرات العسكرية والتقنيات المرتبطة بالحوثيين في اليمن إلى جماعات مسلحة تنشط في السودان، في تطور قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين أطراف مسلحة متحالفة مع طهران خارج حدود ساحات الصراع التقليدية.
وكشف تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية عن توسع الشبكات المرتبطة بإيران داخل السودان، مشيراً إلى دور محتمل لجماعة الحوثيين في نقل الأسلحة والخبرات العسكرية والمساهمة في تدريب فصائل مسلحة متحالفة مع الجيش السوداني. ويطرح هذا التطور تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الدور الذي باتت الجماعة تلعبه في منظومة النفوذ الإيراني الإقليمية، خصوصاً بعدما تحولت خلال السنوات الماضية من جماعة مسلحة محلية في اليمن إلى طرف يمتلك خبرات متراكمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، فإن الحوثيين لم يعودوا مجرد متلقين للسلاح والخبرات القادمة من إيران، بل بدأت خبراتهم العسكرية تنتقل بدورها إلى جماعات مسلحة في مناطق أخرى من المنطقة. وتشير تقارير بحثية إلى وجود عناصر حوثية في بورتسودان ومناطق سودانية أخرى، يُعتقد أنها شاركت إلى جانب عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في تدريب مقاتلين على تشغيل وتصنيع الطائرات المسيّرة.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان، الذي يشكل حلقة استراتيجية بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فضلاً عن قربه من خطوط الملاحة الدولية التي تمر عبر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وفي حال تأكد اتساع هذا التعاون، فإن المنطقة قد تكون أمام شبكة عسكرية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها خطوط نقل السلاح والتكنولوجيا والخبرات بين اليمن والسودان وإيران.
وتشير المعطيات الواردة في التقارير إلى أن هذا التعاون بدأ يبرز بصورة أكبر منذ عام 2025، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على تطور قدرات الطائرات المسيّرة لدى بعض الجماعات المسلحة في السودان. ومن بين أبرز المؤشرات طائرة مسيّرة سودانية حملت اسم «سفروق»، رأى خبراء في مجال الأسلحة أن تصميمها يحمل أوجه شبه كبيرة مع الطائرة الإيرانية «أبابيل-T»، وهي من الطائرات التي تمتلك الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وبينها الحوثيون، خبرة طويلة في تشغيلها وتطوير نسخ منها.
ولا تقف المخاوف عند حدود التدريب ونقل التكنولوجيا، إذ تحدثت المعطيات كذلك عن احتمال استخدام الحوثيين في نقل شحنات أسلحة إيرانية إلى بورتسودان، وهو ما قد يعني نشوء مسار جديد لنقل المعدات العسكرية عبر البحر الأحمر، يربط بين شبكات إيران في اليمن وحلفائها في السودان.
ويمثل البحر الأحمر في هذا السياق نقطة التقاء استراتيجية بين أكثر من ملف أمني، فإلى جانب كونه ممراً رئيسياً للتجارة العالمية، بات خلال السنوات الأخيرة ساحة لنشاط عسكري متزايد، خصوصاً مع تصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية في المنطقة. ومن شأن انتقال القدرات والخبرات العسكرية بين اليمن والسودان أن يزيد من تعقيد البيئة الأمنية المحيطة بالممر البحري، ويمنح الشبكات المسلحة المرتبطة بإيران مجالاً أوسع للحركة والتنسيق.
ويرى التقرير أن التطور الأبرز يتمثل في تغير طبيعة النفوذ الإيراني نفسه؛ فطهران، وفق هذا التصور، لم تعد المصدر الوحيد للسلاح والتدريب، بل باتت الجماعات التي تدعمها تمتلك بدورها قدرات تسمح لها بنقل جزء من خبراتها إلى حلفاء آخرين. وهو ما يعني أن النموذج الذي نشأ في اليمن يمكن أن ينتقل إلى ساحات جديدة، بحيث تصبح الخبرة العسكرية المكتسبة في إحدى مناطق الصراع أداة لتوسيع النفوذ في منطقة أخرى.
ويبرز الحوثيون في هذه المعادلة باعتبارهم جماعة راكمت خلال سنوات الحرب في اليمن خبرات واسعة في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والعمليات البحرية، الأمر الذي جعلها، بحسب التقارير، جزءاً من منظومة إقليمية تتجاوز حدود اليمن. وفي حال صحت المعلومات المتعلقة بمشاركة عناصر حوثية في تدريب مقاتلين داخل السودان، فإن ذلك سيمثل تحولاً لافتاً في طبيعة الدور الإقليمي للجماعة، من طرف يتلقى التدريب والدعم إلى طرف يمكنه نقل بعض الخبرات التي اكتسبها إلى جماعات مسلحة أخرى.
كما يثير الحديث عن وجود عناصر حوثية في بورتسودان تساؤلات حول طبيعة طرق الإمداد والتنسيق بين الشبكات المرتبطة بإيران في المنطقة، خصوصاً في ظل الأهمية الاستراتيجية للساحل السوداني على البحر الأحمر. فوجود قنوات لنقل السلاح والخبرات عبر هذا الممر يمكن أن يمنح تلك الشبكات قدرة أكبر على الوصول إلى ساحات جديدة، ويخلق تحديات إضافية أمام الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى الحد من انتشار الأسلحة والتقنيات العسكرية المتقدمة.
ويأتي ذلك في وقت يعيش فيه السودان صراعاً مسلحاً معقداً أفرز جماعات وقوى عسكرية متعددة، ما يجعل انتقال تقنيات الطائرات المسيّرة والخبرات المرتبطة بها عاملاً قادراً على تغيير طبيعة العمليات العسكرية. فالطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أدوات للاستطلاع، وإنما تحولت إلى وسيلة هجومية منخفضة التكلفة نسبياً وقادرة على إحداث تأثير كبير في ساحات القتال.
وفي هذا السياق، فإن ظهور نماذج سودانية يعتقد خبراء أنها مستوحاة من تقنيات إيرانية، إلى جانب الحديث عن تدريب على تصنيع وتشغيل المسيّرات، يعكس اتجاهاً نحو توطين بعض القدرات العسكرية بدلاً من الاعتماد الكامل على استيراد الأسلحة الجاهزة.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الصراع في المنطقة لم يعد محصوراً في حدود الجبهات التقليدية، بل باتت التكنولوجيا العسكرية وشبكات نقل الخبرات والسلاح تشكل عاملاً رئيسياً في إعادة رسم خريطة النفوذ. ومن اليمن إلى السودان، تبدو خطوط الاتصال بين الجماعات المسلحة أكثر تعقيداً، فيما يتحول البحر الأحمر تدريجياً من مجرد ممر تجاري دولي إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح العسكرية والأمنية الإقليمية.
وفي حال تأكدت بصورة مستقلة جميع المعطيات المتعلقة بالدور الحوثي في السودان، فإن ذلك سيعني أن الجماعة دخلت مرحلة جديدة من النشاط الإقليمي، لا تقوم فقط على تنفيذ عمليات داخل محيطها المباشر، وإنما على نقل الخبرة والتكنولوجيا إلى ساحات أخرى. وهو تطور من شأنه أن يضع أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي أمام تحديات جديدة، خصوصاً مع تزايد اعتماد الجماعات المسلحة على الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى.
وبذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بوجود عناصر أو شحنات سلاح، وإنما بمسار أوسع يتمثل في انتقال المعرفة العسكرية نفسها بين ساحات الصراع، الأمر الذي قد يسمح بتكرار نماذج عسكرية نشأت في اليمن داخل مناطق أخرى من المنطقة. ومع استمرار الحرب في السودان والتوترات في البحر الأحمر، يبقى السؤال الأهم هو إلى أي مدى يمكن أن تتمدد هذه الشبكات، وما إذا كان البحر الأحمر سيتحول إلى حلقة وصل رئيسية بين جماعات مسلحة متعددة ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالنفوذ الإيراني.

فيديو