التصعيد الجنوبي.. و ملامح الطريق الصحيح نحو استعادة الدولة؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب |خاص                     

لم يعد التصعيد الشعبي في الجنوب مجرد موجة احتجاج عابرة، بل بات يعكس حالة سياسية متراكمة تتداخل فيها المطالب المعيشية والخدمية مع قضية سياسية أوسع يرفعها قطاع من الجنوبيين تحت عنوان استعادة دولتهم. وخلال الأيام الأخيرة، برزت دعوات متصاعدة للعصيان والاحتجاج السلمي في عدن ومحافظات جنوبية أخرى، بالتزامن مع تحركات سياسية وتنظيمية تسعى إلى توجيه الشارع نحو مرحلة جديدة من الفعل الجنوبي.
وفي هذا السياق، يبدو أن السؤال لم يعد: هل سيستمر التصعيد؟ بل أصبح: إلى أين يتجه، وما هي الخطوط التي ينبغي أن تحكم مساره حتى يتحول من رد فعل على الأزمات إلى مشروع سياسي قادر على تحقيق أهدافه؟
الطريق نحو استعادة الدولة، كما يراه أنصار القضية الجنوبية، لا يمر عبر الفوضى أو الانفعال، وإنما عبر بناء قوة سياسية وشعبية منظمة، تحافظ على وحدة الصف وتمنح الحراك الجنوبي قدرة أكبر على التأثير والتفاوض وفرض حضوره في أي تسوية سياسية قادمة.
وتكمن أهمية التصعيد السلمي في أنه يمنح الشارع وسيلة للتعبير عن مطالبه بعيداً عن لغة السلاح. فالعصيان المدني والاحتجاجات المنظمة يمكن أن يتحولا إلى أدوات ضغط سياسية عندما تكون أهدافهما واضحة، ورسائلهما موحدة، ومسارهما منضبطاً، خصوصاً في ظل حالة الغضب الشعبي المرتبطة بتدهور الخدمات والأوضاع الاقتصادية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى اتساع نطاق التحركات الاحتجاجية في عدن وأبين والضالع وغيرها.
لكن التصعيد وحده لا يصنع دولة. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات، ورؤية سياسية، وإدارة اقتصادية، وأمن مستقر، وخطاب قادر على مخاطبة الداخل والخارج في الوقت نفسه. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاحتجاج إلى البناء، ومن ردود الأفعال إلى المبادرة، ومن الشعارات العامة إلى برنامج سياسي واضح يحدد شكل الدولة المنشودة، ونظامها السياسي، ومؤسساتها، وضمانات الحقوق والحريات لجميع أبنائها.
كما أن وحدة الصف الجنوبي تظل واحدة من أهم مفاتيح النجاح. فكلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية والاجتماعية، وتراجعت الخلافات البينية، أصبح من الصعب تجاوز القضية الجنوبية أو اختزالها في طرف واحد. أما الانقسام، فإنه يمنح خصوم المشروع الجنوبي فرصة لتفكيك مطالبه وإعادة إنتاج أزماته.
ومن هنا، فإن التصعيد الأكثر فاعلية هو التصعيد الذي يجمع بين الشارع والسياسة والإعلام والدبلوماسية، ويقدم القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية تبحث عن حل عادل ومستدام، لا مجرد مواجهة مفتوحة مع الآخرين.
وفي الوقت ذاته، فإن حماية الممتلكات العامة والخاصة، وعدم استهداف المواطنين، والحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاجات، ليست تفاصيل ثانوية، بل عناصر أساسية للحفاظ على الحاضنة الشعبية وكسب التعاطف الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت التحركات الأخيرة أن الشارع الجنوبي ما زال قادراً على فرض حضوره في المشهد السياسي، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الحشد؛ فالحشود تستطيع إيصال الرسالة، أما تحويل الرسالة إلى مشروع دولة فيحتاج إلى مؤسسات ورؤية وقيادة قادرة على إدارة المرحلة.
وبذلك يمكن القول إن "التصعيد الجنوبي" يقف أمام اختبار تاريخي: إما أن يبقى مجرد موجة احتجاجية مرتبطة بالأزمات اليومية، أو يتحول إلى مسار سياسي منظم يضع قضية استعادة الدولة في إطار واضح، ويجمع بين الإرادة الشعبية والعمل السياسي والانضباط المؤسسي.
فالطريق إلى الدولة لا يُختصر في رفع الشعارات، ولا يُحسم بمجرد ارتفاع مستوى التصعيد، وإنما يبدأ عندما يتحول صوت الشارع إلى مشروع سياسي، ويتحول المشروع السياسي إلى مؤسسات، وتتحول المؤسسات إلى دولة قادرة على حماية شعبها وصون قرارها.
وهنا تحديداً تكمن معادلة المرحلة المقبلة: تصعيد سلمي منضبط، وحدة جنوبية، مشروع سياسي واضح، ومؤسسات قادرة على حمل استحقاقات الدولة. وإذا نجح الجنوب في جمع هذه العناصر، فإن التصعيد لن يكون مجرد احتجاج على واقع قائم، بل قد يصبح إحدى المحطات المفصلية في إعادة تشكيل مستقبله السياسي.

فيديو