حضرموت أمام اختبار الحريات.. هيومن رايتس ووتش تطالب بتحقيق فوري في مداهمة مقرات الانتقالي وإنهاء «دورة القمع»

تقارير - منذ 9 ساعات

عدن ، عين الجنوب خاص 

دخل ملف الحريات السياسية في محافظة حضرموت مرحلة جديدة من التصعيد، عقب تقارير تحدثت عن محاصرة ومداهمة مكاتب تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظة، في واقعة أثارت اهتمامًا حقوقيًا واسعًا، ودعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى التحقيق الفوري في ملابساتها، مع التأكيد على ضرورة إنهاء ما وصفته بـ«دورة القمع المستمرة منذ فترة طويلة لحرية التعبير السياسي».
وبحسب تقارير محلية نشرت في 25 أغسطس/آب 2026، جاءت دعوة المنظمة في أعقاب ما أُفيد به عن قيام أجهزة أمنية تابعة لسلطات الأمر الواقع بمحاصرة واقتحام مقر للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت.
ولا تتعامل هيومن رايتس ووتش مع الواقعة باعتبارها حادثًا أمنيًا منفصلًا فحسب، بل تضعها ضمن سياق أوسع يتعلق بتراجع مساحة العمل السياسي وحرية التعبير في اليمن، حيث وثقت المنظمة خلال السنوات الماضية انتهاكات ارتكبتها أطراف النزاع المختلفة بحق الصحفيين والنشطاء والمتظاهرين.
دعوة للتحقيق لا للإدانة المسبقة
جوهر الموقف الحقوقي الذي نُقل عن هيومن رايتس ووتش يتمثل في ضرورة التحقيق الفوري في التقارير المتعلقة بالمداهمة، وتحديد ما جرى فعليًا، والجهات التي نفذت العملية، والأساس القانوني الذي استندت إليه، وما إذا كانت الإجراءات الأمنية قد تضمنت انتهاكات لحقوق العاملين في المقر أو للنشاط السياسي.
وهنا تبرز أهمية التحقيق المستقل والشفاف؛ إذ إن حماية الحقوق لا تعني منح أي طرف حصانة من المساءلة، وإنما تعني إخضاع جميع الأطراف للقانون والمعايير الحقوقية نفسها، سواء تعلق الأمر بالمجلس الانتقالي أو الحكومة أو القوات الأمنية أو أي تشكيل سياسي وعسكري آخر.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تؤكد فيه المنظمة أن حرية التعبير والتجمع السلمي والمشاركة السياسية حقوق محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن القيود المفروضة على هذه الحقوق يجب أن تكون محدودة ومبررة قانونًا.
حضرموت.. من الاحتجاج إلى الملاحقة
وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بالنظر إلى ما شهدته حضرموت خلال فبراير/شباط 2026 من احتجاجات مرتبطة بالمجلس الانتقالي الجنوبي.
ففي تقرير أصدرته هيومن رايتس ووتش في 17 مارس/آذار 2026، قالت المنظمة إنها حققت في احتجاجات جرت في عدن وشبوة وحضرموت، وأفادت بأن القوات الموالية للحكومة استخدمت، بحسب وصفها، قوة مفرطة ضد متظاهرين، كما تحدثت عن اعتقال عشرات الأشخاص في حضرموت.
وذكرت المنظمة أن قوات موالية للحكومة اعتقلت في مدينة سيئون عشرات المحتجين عقب احتجاجات في السادس من فبراير، كما اعتُقل قياديان في المجلس الانتقالي من منزليهما في اليوم التالي، وفق نتائج تحقيقها.
وبالتالي، فإن واقعة مداهمة المكاتب،  تأتي في سياق أمني وسياسي سبق أن أثار اهتمام المنظمات الحقوقية الدولية، وليس في فراغ سياسي أو حقوقي.
حرية العمل السياسي تحت المجهر
تتجاوز القضية حدود مقر حزبي أو سياسي؛ لأنها تطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل العمل السياسي في المحافظات الجنوبية، وحول الحدود الفاصلة بين الإجراءات الأمنية المشروعة وبين استخدام القوة أو المداهمات لتقييد النشاط السياسي.
وتشير المعايير الدولية إلى أن حرية التعبير والتجمع السلمي والمشاركة في الشأن العام ليست امتيازات تمنحها السلطات للأطراف التي تؤيدها، وإنما حقوق أصلية يجب احترامها.
وفي تقريرها عن اليمن لعام 2026، قالت هيومن رايتس ووتش إن أطراف النزاع، بما فيها الحوثيون  والحكومة اليمنية، تورطت في اعتقالات تعسفية وانتهاكات مرتبطة بحرية التعبير، مؤكدة أن أطرافًا مختلفة واصلت التضييق على الاحتجاجات السلمية والعمل الإعلامي والسياسي.
كما وثقت المنظمة في تقرير سابق أن مساحة حرية التعبير  في الجنوب  تقلصت خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى انتهاكات طالت صحفيين ومؤسسات إعلامية ومجال العمل المدني.
لا مكان لمنطق «الانتقام المتبادل»
الرسالة الأهم في الموقف الحقوقي هي أن الانتهاكات لا تصبح مقبولة لمجرد أن طرفًا آخر سبق أن ارتكب انتهاكات مماثلة.
وهذا المبدأ تؤكده هيومن رايتس ووتش بوضوح في تقاريرها المتعلقة باليمن،
ومن هنا فإن أي انتهاك محتمل لحقوق أنصار المجلس الانتقالي أو قياداته أو كوادره يجب أن يخضع للتحقيق والمساءلة، كما يجب أن تخضع  بالنظر عن هوية الضحية أو الجهة المسؤولة عنه.
من المسؤول؟ وما الأساس القانوني؟
أمام السلطات المعنية في حضرموت مجموعة من الأسئلة التي لا يمكن تجاوزها إذا أريد احتواء التداعيات:
من أصدر قرار المداهمة؟
ما الأساس القانوني الذي استندت إليه القوات المنفذة؟
هل صدر أمر قضائي؟
هل تم ضبط أو مصادرة ممتلكات أو وثائق؟
هل تعرض أي شخص للاعتقال أو الاحتجاز؟
وهل جرى استخدام القوة أثناء العملية؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى إصدار حكم مسبق، وإنما إلى الوصول إلى الحقيقة. ولهذا فإن التحقيق المستقل والشفاف يمثل الطريق الطبيعي لتحديد المسؤوليات ومنع تضارب الروايات.
تحذير من اتساع دائرة القمع
وتزداد خطورة التطورات عندما تتحول الإجراءات الأمنية من ملاحقة جريمة محددة إلى وسيلة لتقييد النشاط السياسي أو إسكات الخصوم.
فاليمن يعيش أصلًا أزمة سياسية وأمنية وإنسانية عميقة، وأي تضييق إضافي على المجال العام يمكن أن يدفع المجتمع نحو مزيد من الاحتقان، خصوصًا في المناطق التي تشهد تنافسًا سياسيًا وأمنيًا حادًا.
وفي أحدث تحديث لها بشأن الوضع الحقوقي في اليمن، نشرته في 26 أغسطس/آب 2026، أكدت هيومن رايتس ووتش أن الحوثيين وسلطات الأمر الواقع  ارتكبت انتهاكات خطيرة بحق الصحفيين، ودعت إلى إنهاء دورة الانتهاكات وحماية المدنيين وضمان المساءلة عن الاعتقالات التعسفية وغيرها من الانتهاكات.
حضرموت بحاجة إلى القانون لا إلى مزيد من التصعيد
إن مداهمة أي مقر سياسي، متى ثبت وقوعها، لا ينبغي أن تتحول إلى شرارة جديدة في صراع النفوذ داخل حضرموت.
فالخيار الأكثر مسؤولية هو فتح تحقيق فوري وشفاف، وإعلان نتائجه للرأي العام، ومحاسبة أي شخص يثبت تجاوزه للقانون، وضمان عدم استخدام الأجهزة الأمنية كأداة للصراع السياسي.
كما أن حماية حرية التعبير لا تعني حماية طرف سياسي بعينه، وإنما حماية حق المجتمع بأكمله في النقاش والتعبير والتنظيم والمشاركة السياسية بصورة سلمية.
وتحذر التجربة اليمنية خلال أكثر من عقد من أن التضييق على الحريات لا ينهي الخلافات السياسية، بل يدفعها غالبًا إلى مزيد من الاحتقان والتوتر.
الخلاصة
تضع دعوة هيومن رايتس ووتش للتحقيق الفوري في التقارير المتعلقة بمداهمة مكاتب المجلس الانتقالي في حضرموت السلطات أمام اختبار حقيقي: هل ستكون الإجراءات الأمنية خاضعة للقانون، أم ستتحول الحريات السياسية مرة أخرى إلى ضحية للصراع؟
والطريق إلى الإجابة يبدأ من التحقيق، وكشف الحقيقة، وضمان حقوق جميع الأطراف، ومنع الاعتقال التعسفي والمداهمات غير القانونية، وإبقاء المجال السياسي مفتوحًا أمام التعبير السلمي.
فحضرموت، التي تقف عند تقاطع حساس بين المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، لا تحتاج إلى دورة جديدة من القمع والردود المتبادلة، بل إلى سيادة القانون، واحترام الحقوق، ومساءلة كل من يثبت تورطه في الانتهاكات، أيًا كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها.
وبذلك فقط يمكن تحويل الدعوة الحقوقية إلى خطوة عملية تمنع تكرار الانتهاكات، وتعيد الاعتبار لحرية التعبير والعمل السياسي، وتضع حدًا لدائرة طال أمدها في اليمن.والجنوب

فيديو