ذاكرة الجنوب لا تنسى حروب الأمس وفساد السياسة وامتحان المصالحة المؤجلة

تقارير - منذ 9 ساعات

عدن ، عين الجنوب || خاص

تعود قضية الذاكرة السياسية والتاريخية في الجنوب إلى واجهة المشهد من جديد، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى فتح ملفات الماضي ومراجعة آثار الحروب والصراعات التي تركت ندوباً عميقة في المجتمع الجنوبي. ويأتي ذلك على خلفية تصريحات للأكاديمي الدكتور أحمد الشاعر باسردة، الذي قال في تغريدة على منصة «إكس» إن مراجعة سجل حزب الإصلاح اليمني، من وجهة نظره، لا تقود إلى اكتشاف مشروع جديد للسلام وبناء الدولة، بقدر ما تستحضر إرثاً من الحروب والفتن والفساد والارتهان السياسي، متهماً الحزب بالمشاركة في نهب ثروات الجنوب.
وتستند أهمية هذا الطرح إلى أن القضية الجنوبية لا يمكن فصلها عن سلسلة طويلة من الأحداث التي بدأت قبل أكثر من ثلاثة عقود، ولا سيما حرب عام 1994، ثم عادت آثار الصراع لتظهر بصورة أكثر حدة خلال الحرب التي اندلعت عام 2015. وبين التاريخين وما تلاهما، تراكمت ملفات سياسية وأمنية واقتصادية وحقوقية جعلت مسألة المصالحة أكثر تعقيداً من مجرد اتفاق سياسي بين النخب.
ففي عام 1994 دخل اليمن حرباً أعقبها اجتياح شمالي للجنوب وشهدت السنوات اللاحقة تحولات واسعة في بنية الدولة والجيش والاقتصاد، إضافة إلى قضايا متعلقة بالأراضي والممتلكات والوظائف العامة وتسريح أعداد كبيرة من العسكريين والموظفين الجنوبيين. ومع مرور السنوات، لم تختفِ تلك الملفات من الذاكرة الشعبية، بل تحولت إلى أحد أهم مصادر الاحتقان الذي أسهم في صعود الحراك الجنوبي منذ عام 2007.
ثم جاءت حرب 2015 لتفتح فصلاً جديداً من الصراع. فقد تحولت مدن ومحافظات جنوبية إلى ساحات قتال، وسقط قتلى وجرحى ونزح آلاف المدنيين، وتعرضت البنية التحتية لأضرار واسعة. وعلى الرغم من اختلاف أطراف الحرب وشعاراتها عن حرب 1994، فإن آثارها السياسية والاجتماعية بقيت حاضرة في الوعي الجنوبي، وأصبحت جزءاً من النقاش حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية سياسية قادمة.
ومن هنا تبدو دعوة باسردة إلى عدم التعامل مع الماضي باعتباره صفحة يمكن طيها بقرار سياسي مجرد، ذات دلالة تتجاوز الشخص أو الحزب. فالمصالحة المستدامة، وفق هذا المنظور، تحتاج إلى الاعتراف بالوقائع، وتحديد المسؤوليات، وإنصاف المتضررين، ووضع ضمانات تمنع إعادة إنتاج الصراعات ذاتها.
ولا تعني المطالبة بمراجعة الماضي بالضرورة الدعوة إلى الانتقام؛ بل إن الفارق كبير بين العدالة والانتقام. فالعدالة تبحث عن الحقيقة وتحدد المسؤولية وتحفظ حقوق الضحايا، بينما يقود الانتقام إلى إعادة إنتاج دورة العنف. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي للمصالحة في اليمن، وخصوصاً في الجنوب، يحتاج إلى الانتقال من خطاب تبادل الاتهامات إلى آليات واضحة للتحقيق والتوثيق وجبر الضرر والمساءلة القانونية.
كما أن الحديث عن ثروات الجنوب يفتح ملفاً آخر شديد الحساسية، يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية والعائدات النفطية والغازية، ومدى استفادة السكان المحليين منها. فالمحافظات الجنوبية والشرقية تمتلك موارد اقتصادية مهمة، لكن وجود الموارد لا يعني بالضرورة انعكاسها على حياة المواطنين، خصوصاً في ظل أزمات الخدمات والكهرباء والرواتب وتدهور البنية التحتية. ولهذا أصبحت قضية الثروة مرتبطة عضوياً بقضية القرار السياسي والإدارة المحلية والشفافية.
وتزداد حساسية هذا الملف عندما تستحضر الذاكرة الجنوبية وقائع ما بعد حرب 1994، وما ارتبط بها من اتهامات بالاستحواذ على الأراضي والممتلكات والموارد وإقصاء كوادر جنوبية من مؤسسات الدولة. وفي المقابل، فإن تناول هذه الملفات  يستند إلى الوثائق والأدلة المحفوره في الجنوبيين وموثقه بالاثباتات والوثاىق 
إن المشكلة الأساسية أمام أي مصالحة يمنية لا تكمن فقط في توقيع اتفاق سياسي جديد، وإنما في بناء الثقة بين مجتمع فقد جزءاً كبيراً من ثقته بالنخب السياسية. وهذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات، بل بإجراءات ملموسة يشعر المواطن من خلالها بأن حقوقه مصانة، وأن مؤسسات الدولة لا تستخدم لتصفية الحسابات، وأن الثروة العامة تخضع للرقابة، وأن الانتهاكات لا تسقط بالتقادم السياسي.
وتؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مسار متكامل للعدالة الانتقالية، يبدأ بتوثيق الانتهاكات، مروراً بكشف الحقيقة، وانتهاءً بجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار. وفي الحالة اليمنية، تبدو الحاجة إلى مثل هذا المسار أكثر إلحاحاً بسبب تعدد الحروب وتداخلها، وامتداد آثارها عبر أجيال مختلفة.
ومن هذه الزاوية، فإن ذاكرة الجنوب ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي عنصر حاضر في تشكيل المواقف السياسية الراهنة. فكلما ظهرت مبادرات سياسية تتحدث عن المستقبل من دون معالجة جذور الأزمة، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة: ماذا عن ضحايا الحروب؟ ماذا عن الأراضي والممتلكات؟ ماذا عن المسرحين والمبعدين؟ ماذا عن الموارد؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن الانتهاكات التي وقعت؟
هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها بمجرد الدعوة إلى النسيان، لأن النسيان القسري لا يصنع سلاماً، وإنما يؤجل الانفجار. أما السلام الحقيقي فيحتاج إلى ذاكرة موثقة، وعدالة منصفة، وتسوية سياسية تعترف بتعدد القضايا والمظالم، وتمنح الأطراف ضمانات حقيقية للمشاركة في صياغة المستقبل.
وفي نهاية المطاف، فإن رسالة الذاكرة الجنوبية تبدو واضحة: لا يمكن بناء مستقبل مستقر على أنقاض الماضي من دون مواجهة ذلك الماضي بشجاعة ومسؤولية. وإذا كان الهدف هو المصالحة، فإن الطريق إليها لا يمر عبر محو الذاكرة، بل عبر تحويلها من وقود للصراع إلى قاعدة للإنصاف والتعلم ومنع التكرار.
فالجنوب، كما يقول هذا الطرح، لا يطلب أن يُختزل تاريخه في رواية طرف واحد، ولا أن تتحول معاناة الضحايا إلى ورقة تفاوضية مؤقتة. المطلوب هو الحقيقة أولاً، ثم الاعتراف، ثم العدالة، وبعدها فقط يمكن الحديث عن مصالحة قادرة على الصمود. أما تجاهل الجراح القديمة، مع استمرار الأسباب التي صنعتها، فلن يؤدي إلا إلى إبقاء أبواب الصراع مفتوحة أمام أجيال جديدة.
وبذلك تتحول الذاكرة من عبء سياسي إلى اختبار حقيقي لكل القوى التي تتحدث عن السلام وبناء الدولة: من يملك الشجاعة لمراجعة الماضي، والاعتراف بالأخطاء، وإنصاف الضحايا، ووضع ضمانات تمنع تكرار الحروب؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون المدخل الحقيقي لمعرفة ما إذا كانت التسويات القادمة ستصنع سلاماً دائماً، أم أنها ستعيد إنتاج الأزمة نفسها تحت عناوين جديدة.

فيديو