عدن مدينة تتآكل تحت وطأة الأزمات والخدمات المنهارة

تقارير - منذ 8 ساعات

عدن ،عين الجنوب || خاص         
لم تعد عبارة «عدن بخير» التي يروجها اعلام السلطة قادرة على الصمود أمام مشهد يومي يراه المواطن بعينيه ويعيشه بكل تفاصيله. فبينما تتكرر التصريحات التي تحاول تقديم صورة مطمئنة عن العاصمة الجنوبية، يواصل الواقع إنتاج صورة مختلفة تمامًا؛ صورة مدينة أنهكتها الأزمات، وأثقلت كاهل سكانها، وأصبحت فيها أبسط مقومات الحياة اليومية مطلبًا شاقًا ينتظر المعالجات التي لا تأتي.
في عدن، لا يحتاج المواطن إلى بيانات سياسية أو تقارير مطولة حتى يعرف حقيقة الوضع. يكفيه أن يخرج إلى الشارع، أو يقف أمام محطة وقود، أو يبحث عن أسطوانة غاز، أو يحاول مواجهة انقطاع الكهرباء، أو يسأل عن أسعار المواد الغذائية، حتى يدرك أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع أصبحت واسعة إلى حد يصعب معه إخفاؤها.
مدينة الأزمات المتراكمة
عدن التي كانت تُعرف تاريخيًا بأنها مدينة حيوية وميناء مهم ومركز تجاري وثقافي، تواجه اليوم سلسلة متداخلة من الأزمات. أزمة الخدمات تتقاطع مع الأزمة الاقتصادية، وهذه بدورها تنعكس على حياة الأسر، فيما يؤدي تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار إلى تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة.
الكهرباء أصبحت عنوانًا دائمًا لمعاناة السكان، والمياه والخدمات الصحية والنظافة والطرقات ليست بمنأى عن الشكاوى. أما أزمة الوقود والغاز فتضيف طبقة جديدة من الضغط على المواطن الذي يجد نفسه مضطرًا إلى الانتظار لساعات للحصول على احتياجات أساسية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن الحديث عن أن «عدن بخير» بينما المواطن نفسه يقول العكس من خلال معاناته اليومية؟
الغاز والوقود.. عندما تتحول الحاجة إلى طوابير
من أكثر المشاهد التي تختصر حجم الأزمة في عدن الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود ونقاط بيع الغاز. فالمواطن لا يبحث عن رفاهية، وإنما عن مادة ضرورية لتسيير حياته اليومية.
ومع تكرار الأزمات، يتحول الحصول على الغاز أو الوقود من عملية اعتيادية إلى رحلة شاقة تستنزف الوقت والمال والأعصاب. والأسوأ أن المواطن غالبًا لا يعرف متى تنتهي الأزمة، ولا يملك إجابة واضحة عن أسبابها، بينما تتعدد التبريرات وتتضارب الروايات.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: حين تصبح الخدمات الأساسية نفسها رهينة للأزمات، فإن الحديث عن الاستقرار يفقد معناه بالنسبة للمواطن.
الأسعار تسبق الرواتب
لم تعد المشكلة مرتبطة بتوفر السلعة وحده، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على شرائها. فارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية يتزامن مع تراجع قيمة الدخل الحقيقي، ما جعل كثيرًا من الأسر تعيد ترتيب أولوياتها بصورة قاسية.
الراتب الذي كان يكفي لشراء احتياجات أساسية أصبح عاجزًا عن تغطية جزء محدود منها، فيما تتزايد الالتزامات من إيجار ومواصلات وغذاء ودواء وتعليم.
وهكذا أصبحت الأسرة العدنية أمام معادلة صعبة: دخل محدود في مواجهة أسعار لا تتوقف عن الارتفاع.
المواطن بين الخطاب والواقع
المشكلة ليست فقط في الأزمات ذاتها، وإنما في الفارق بين ما يسمعه المواطن وما يراه.
عندما يسمع المواطن أن الأمور تحت السيطرة، ثم يخرج ليجد طابورًا طويلًا أمام محطة وقود، أو يعود إلى منزله في ظل انقطاع الكهرباء، أو يقف عاجزًا أمام ارتفاع أسعار الغذاء، فإنه يفقد الثقة تدريجيًا في الخطاب الرسمي.
فالناس لا تقيس نجاح الإدارة بعدد البيانات الصادرة، وإنما بما يصل إلى منازلها من كهرباء ومياه وغاز وخدمات، وبما يبقى في جيوبها من دخل بعد شراء احتياجاتها الأساسية.
عدن لا تحتاج إلى تجميل الصورة
عدن لا تحتاج إلى شعارات تخفي الأزمة، بل إلى الاعتراف بها ووضع حلول عملية لها.
المدينة تحتاج إلى إدارة قادرة على تحديد الأولويات، وإلى مؤسسات تعمل بانتظام وشفافية، وإلى رقابة حقيقية على الموارد والأسواق، وإلى معالجة جذور أزمات الكهرباء والوقود والمياه والنظافة والصحة.
كما تحتاج إلى أن يكون المواطن في مركز الاهتمام، لا أن يتحول إلى مجرد رقم في البيانات الرسمية.
فالاعتراف بالمشكلة ليس فشلًا، وإنما هو الخطوة الأولى نحو حلها. أما إنكارها أو محاولة تغطيتها بخطاب إعلامي مطمئن، فلن يغير شيئًا من الواقع.
من المسؤول عن هذا المشهد؟
السؤال الذي يطرحه الشارع العدني اليوم ليس فقط: لماذا تدهورت الخدمات؟ بل أيضًا: من يتحمل مسؤولية هذا التدهور؟
فالمدينة لا يمكن أن تبقى معلقة بين سلطات متعددة ومسؤوليات متداخلة، بحيث يعرف المواطن حجم المعاناة لكنه لا يعرف الجهة التي يجب أن يحاسبها.
إن استمرار غياب المسؤولية الواضحة يفتح الباب أمام تبادل الاتهامات، بينما يدفع المواطن وحده الثمن.
وإذا كانت عدن تمتلك الموارد والميناء والموقع الجغرافي والتاريخ الذي يؤهلها لتكون مركزًا اقتصاديًا مهمًا، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا حول أسباب استمرار هذا العجز في توفير الخدمات الأساسية لسكانها.
عدن بخير عندما يكون المواطن بخير
المعيار الحقيقي لتعافي عدن ليس في التصريحات، ولا في المؤتمرات، ولا في الصور الرسمية، وإنما في حياة المواطن.
عدن تكون بخير عندما تنطفئ الطوابير أمام محطات الوقود، وعندما تتراجع أزمة الغاز، وعندما تصل الكهرباء بصورة مستقرة، وعندما يستطيع الموظف شراء احتياجات أسرته دون أن يختار بين الطعام والدواء، وعندما تتحسن الطرق والنظافة والخدمات الصحية.
أما أن يعيش المواطن كل هذه الأزمات ثم يُطلب منه تصديق أن «عدن بخير»، فذلك يعني أن هناك مدينتين مختلفتين: عدن التي تظهر في الخطاب، وعدن التي يعيشها الناس في الواقع.
وفي النهاية، لا تستطيع البيانات أن تهزم الحقيقة التي يراها المواطن كل صباح. فالشارع هو الاختبار الحقيقي لأي رواية، ومعاناة الناس هي أكثر التقارير صدقًا.
عدن لا تحتاج إلى من يقول إنها بخير، بل إلى من يجعلها بخير.
وهذه هي الحقيقة التي لا تستطيع الشعارات، مهما تكررت، أن تحجبها.

فيديو