«جريدة رسمية» وسط العتمة والرواتب المتأخرة.. انتقادات حادة للحكومة: هل أخطأت السلطة ترتيب أولوياتها

تقارير - منذ 59 دقيقة

عدن ، عين الجنوب||خاص            
في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية والخدمية في المناطق المحررة، وتزداد معاناة المواطنين جراء انقطاع الكهرباء وتأخر صرف المرتبات وتفاقم أزمة الغاز وتدهور مستوى الخدمات الأساسية، أثار تدشين الجريدة الرسمية للحكومة موجة من الانتقادات، وسط تساؤلات حول الأولويات التي ينبغي أن تنشغل بها مؤسسات الدولة في هذه المرحلة الحساسة.
الانتقادات برزت بوضوح في موقف القيادي فضل الجعدي، الذي اعتبر أن توقيت تدشين الجريدة الرسمية لا ينسجم مع حجم الأزمات التي يعيشها المواطنون، مشيرًا إلى أن البلاد تواجه ملفات أكثر إلحاحًا تمس الحياة اليومية بصورة مباشرة.
وبحسب ما أورده الجعدي عبر حسابه على منصة «إكس»، فإن تدشين الجريدة الرسمية جاء في وقت وصلت فيه ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى مستويات قياسية، بالتزامن مع تفاقم أزمة الغاز المنزلي وتدهور خدمات النظافة وانتشار طفح مياه الصرف الصحي في عدد من الشوارع، فضلًا عن استمرار أزمة المرتبات وتأخر مستحقات موظفي الدولة.
العتمة تسبق الجريدة
المفارقة التي أثارت الجدل تتمثل في أن الحديث عن إطلاق مؤسسة أو مشروع حكومي جديد يأتي بينما لا تزال الخدمات الأساسية عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطنين.
فالكهرباء، التي تمثل واحدة من أكثر الملفات ارتباطًا بحياة السكان، ما تزال تشكل أزمة يومية، في حين يواجه المواطنون صعوبات متزايدة في الحصول على الغاز المنزلي، وتبقى مشاهد تراكم المخلفات وطفح مياه الصرف الصحي حاضرة في عدد من المناطق.
وفي ظل هذه الظروف، يرى منتقدون أن المواطن لا يبحث في الوقت الراهن عن مظاهر إدارية جديدة بقدر بحثه عن خدمة كهرباء مستقرة، ومرتب يصل في موعده، وغاز متوفر، وشوارع نظيفة، وخدمات عامة قادرة على التعامل مع احتياجاته الأساسية.
المرتبات.. الأزمة الأكثر إيلامًا
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الخدمات، إذ يمثل تأخر صرف المرتبات أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لآلاف الموظفين والعاملين في المؤسسات الحكومية.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، يتحول تأخر الراتب من مشكلة إدارية إلى أزمة معيشية حقيقية، خصوصًا بالنسبة للأسر التي تعتمد بصورة أساسية على دخل الموظف الحكومي.
ومن هنا، فإن أي حديث عن مشاريع حكومية جديدة يصبح عرضة للتساؤل عندما لا تكون الملفات الأساسية، وفي مقدمتها المرتبات والخدمات، قد وجدت حلولًا مستدامة.
الجعدي: الأولوية للملفات الملحّة
الجعدي دعا، وفق ما تم نقله ، إلى توجيه طاقات الحكومة نحو الملفات المعيشية والخدمية الأكثر إلحاحًا، إلى جانب تعزيز الجاهزية لمواجهة جماعة الحوثي، بدل الانشغال بما وصفه بمشاريع ثانوية لا تلامس بصورة مباشرة هموم المواطنين.
وتحمل هذه الانتقادات رسالة سياسية وإدارية واضحة مفادها أن نجاح الحكومة لا يقاس بعدد المشاريع التي تعلن عنها أو المؤسسات التي تدشنها، وإنما بقدرتها على معالجة المشكلات التي يواجهها المواطن في حياته اليومية.
فالمواطن الذي يقضي ساعات طويلة دون كهرباء، أو ينتظر راتبه المتأخر، أو يقف أمام أزمة غاز، أو يعيش في منطقة تعاني من طفح مياه الصرف الصحي، ستكون أولوياته مختلفة تمامًا عن الأولويات الرسمية التي تركز على الإجراءات والمظاهر الإدارية.
إنجازات على الورق.. وأسئلة في الشارع
وتفتح هذه الواقعة نقاشًا أوسع حول طبيعة الإنجاز الحكومي ومعاييره، وما إذا كانت بعض الخطوات الرسمية تتحول إلى أهداف بحد ذاتها، بعيدًا عن أثرها الفعلي على حياة الناس.
فإنشاء المؤسسات وتدشين المشاريع وإطلاق المنصات والإصدارات الرسمية قد تكون خطوات ضرورية في بناء الدولة وتنظيم عملها، لكنها تفقد الكثير من قيمتها السياسية والشعبية عندما تأتي في ظل عجز واضح عن معالجة الأزمات اليومية.
ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس حول أهمية الجريدة الرسمية من الناحية القانونية أو الإدارية، وإنما حول توقيت الأولويات: هل كان الأجدى أن تتقدم ملفات الكهرباء والمرتبات والغاز والصرف الصحي والنظافة على غيرها من الملفات؟
غضب يتجاوز الكهرباء
المشهد الخدمي المتردي لا يبدو منفصلًا عن حالة أوسع من الاستياء الشعبي تجاه أداء المؤسسات الحكومية.
فحين تتكرر الأزمات دون حلول جذرية، تتحول المشكلة من أزمة منفردة إلى شعور عام بأن المواطن لا يجد استجابة كافية لمطالبه الأساسية.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات، يصبح أي مشروع حكومي جديد بحاجة إلى أن يثبت أثره بصورة ملموسة حتى يحظى بثقة الشارع، خصوصًا في بيئة تعاني أصلًا من أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المطلوب ليس المزيد من العناوين.. بل حلول ملموسة
وفي النهاية، لا تكمن المشكلة بالضرورة في وجود الجريدة الرسمية أو تدشينها، وإنما في الفجوة بين ما تعلنه السلطة وما ينتظره المواطن.
فالدولة تحتاج بالفعل إلى مؤسسات قانونية وإدارية وإعلام رسمي منظم، لكن المواطن يحتاج قبل ذلك إلى خدمات أساسية مستقرة، وراتب منتظم، وكهرباء، وغاز، وشوارع خالية من طفح الصرف الصحي والنفايات.
ومن هنا تبدو الرسالة التي حملتها الانتقادات الأخيرة واضحة: المواطن لا يعترض على بناء مؤسسات الدولة، لكنه يريد أن يشعر أولًا بأن هذه المؤسسات تعمل من أجله.
وفي ظل تصاعد الغضب الشعبي، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى إعادة ترتيب الأولويات الحكومية، والانتقال من الإنجازات الشكلية والإجراءات الإدارية إلى حلول حقيقية تمس حياة الناس مباشرة.
فحين تغيب الكهرباء وتتأخر المرتبات ويصعب الحصول على الغاز وتنتشر مشكلات الصرف الصحي، تصبح الأولوية الطبيعية للحكومة هي معالجة هذه الملفات، لأن قيمة أي إنجاز رسمي ستظل محدودة ما لم ينعكس أثره على حياة المواطن الذي ينتظر من الدولة خدمة تصل إليه قبل أن يصله الخبر عن تدشينها.

فيديو