السعودية والجنوب.. كيف تحوّل الحليف إلى خصم وخسرت الرياض ثقة الشارع الجنوبي

تقارير - منذ 59 دقيقة

عدن ، عين الجنوب||خاص              
لم تبدأ أزمة الثقة بين السعودية والشارع الجنوبي من حدث واحد، ولم تتشكل في لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية وشعور متزايد لدى قطاعات جنوبية بأن الرياض لم تعد تتعامل مع قضية الجنوب باعتبارها قضية سياسية لها جذور وتطلعات، وإنما باعتبارها ملفًا أمنيًا وإقليميًا يجب التحكم بمساراته.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت العلاقة بين السعودية والقوى الجنوبية أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع صعود الخلافات حول مستقبل الجنوب، وشكل الدولة، وترتيبات السلطة والأمن في عدن وحضرموت والمهرة. وتُظهر تحليلات ومتابعات للشأن اليمني أن الرياض وسّعت علاقاتها مع قوى محلية في حضرموت، في محاولة لبناء نفوذ موازٍ للنفوذ الذي يمتلكه المجلس الانتقالي الجنوبي.
كان يمكن للعلاقة السعودية-الجنوبية أن تقوم على المصالح المشتركة، خصوصًا أن السعودية كانت ولا تزال لاعبًا رئيسيًا في الملف اليمني، وأن الجنوب يمثل جغرافيا استراتيجية ملاصقة للمملكة وممتدة على بحر العرب وخليج عدن.
لكن المشكلة، من وجهة نظر منتقدي السياسة السعودية، تكمن في أن الرياض اختارت في مراحل مختلفة التعامل مع الجنوب من زاوية موازين النفوذ، لا من زاوية البحث عن تسوية سياسية تستوعب تطلعات الجنوبيين.
وهنا بدأت الفجوة تتسع.
فالجنوبي الذي يرى أن قضيته تراكمت منذ عقود، وأن حرب 1994 وما تبعها من تهميش وإقصاء خلّفت مظالم سياسية واقتصادية وعسكرية، لا ينظر إلى القضية باعتبارها مجرد خلاف على المناصب أو توزيع السلطة. بل يرى أنها قضية هوية وحقوق ومستقبل سياسي.
ولهذا فإن أي محاولة لتجاوز هذه القضية أو إعادة إنتاج واقع سياسي لا ينسجم مع تطلعات قطاع واسع من الجنوبيين ستُفسر بسهولة باعتبارها محاولة لفرض الوصاية.
وربما كانت حضرموت واحدة من أبرز ساحات الخلاف. فالمنطقة لا تمثل مجرد محافظة يمنية عادية؛ إنها مساحة جغرافية شاسعة، وموقع استراتيجي، وثروات نفطية، وساحل طويل على بحر العرب، وحدود مع السعودية وعُمان.
ومن هنا أصبح الصراع على النفوذ في حضرموت أكثر من مجرد تنافس محلي.
وتشير تحليلات بحثية إلى أن السعودية عملت على توسيع شبكات علاقاتها مع القوى القبلية في حضرموت، بينما دعمت قوى محلية تتبنى تصورًا مختلفًا عن المشروع السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي.
وبالنسبة لكثير من الجنوبيين، فإن هذا التحرك يُقرأ باعتباره محاولة لتفكيك الموقف الجنوبي ومنع تشكل رؤية سياسية موحدة بشأن مستقبل الجنوب.
وهنا تحديدًا تظهر المشكلة الأكبر: عندما يشعر الشارع بأن القوى الخارجية تحاول اختيار ممثليه بدلًا عنه، فإن الثقة تبدأ بالانهيار.
وقد لا يكون من الدقيق القول إن السعودية "اختارت العداء للجنوب" بمعناه المطلق؛ فالرياض نفسها أعلنت في مراحل مختلفة دعمها للحوار والحلول السياسية، كما دعت إلى حوار جنوبي شامل. لكن المشكلة تكمن في الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة على الأرض كما يراها الجنوبيين الفول غير الفعل فبينما ترفع شعار الحوار والقضيه الجنوبيه تمارس على الواقع التفكيك القوة الجنوبيه، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين تمر بمراحل من التوتر والشكوك المتبادلة.
ويمكن تفسير السياسة السعودية من خلال عدة اعتبارات، في مقدمتها هاجس الأمن القومي السعودي. فالرياض تنظر إلى حدودها الجنوبية وبحر العرب والمهرة وحضرموت باعتبارها مناطق ترتبط مباشرة بأمنها الاستراتيجي.
كما أن الخوف من قيام واقع سياسي جنوبي مستقل يمثل عاملًا مهمًا في الحسابات السعودية؛ فوجود دولة جنوبية مستقلة أو كيان سياسي قوي على حدود المملكة قد يفرض معادلات جديدة لا تستطيع الرياض التحكم بها بسهولة.
إلى جانب ذلك، فإن الملف اليمني لم يعد سعوديًا فقط؛ فقد دخلت فيه دول اقليميه وقوى دولية وإقليمية متعددة، وأصبح الجنوب إحدى ساحات التنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية.
ومن منظور الرياض، قد يكون تعدد القوى الجنوبية وسيلة للحفاظ على مساحة للمناورة السياسية، بينما يراه خصومها محاولة لإضعاف أي تمثيل جنوبي موحد قادر على فرض رؤيته السياسية.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في أن تكون للسعودية مصالح في الجنوب؛ فمن الطبيعي أن تبحث أي دولة عن حماية أمنها ومصالحها. السؤال الأهم هو: كيف تُدار هذه المصالح؟
إذا جرى التعامل مع الجنوب من خلال القوة والنفوذ والضغط السياسي وتشكيل مراكز قوى متنافسة، فإن النتيجة الطبيعية ستكون المزيد من فقدان الثقة.
أما إذا جرى التعامل معه كشريك سياسي له حقوق ومصالح وتطلعات، فإن فرص بناء علاقة مستقرة ستكون أكبر بكثير.
فالسياسة لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما بالقبول أيضًا. والنفوذ الذي يحتاج إلى قوة دائمة لحمايته يصبح عبئًا على صاحبه، بينما النفوذ الذي يقوم على المصالح المشتركة والثقة يستطيع الاستمرار حتى في أصعب الظروف.
والسؤال الأخطر الذي ينبغي أن تطرحه الرياض ليس: كيف نمنع الجنوب من فرض مشروعه؟ بل: لماذا أصبح جزء واسع من الشارع الجنوبي ينظر إلى السعودية بعين الشك؟
لأن خسارة الثقة أخطر من خسارة موقع عسكري.
يمكن للدول أن تعيد انتشار قواتها، ويمكنها أن تغير حلفاءها، ويمكنها أن تعقد اتفاقات جديدة، لكن إعادة بناء الثقة الشعبية تحتاج إلى سنوات.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالسعودية تحتاج إلى جنوب مستقر وآمن، والجنوب يحتاج إلى علاقات متوازنة مع محيطه، وفي مقدمة هذا المحيط السعودية. لكن سياسات النفوذ والصراع على التمثيل قد تدفع الطرفين إلى مسار معاكس تمامًا.
فالجنوب، وفق رؤية القوى المؤيدة لقضيته، لا يريد أن يكون ساحة صراع سعودي-إماراتي، ولا ورقة تفاوض في الملف اليمني، ولا منطقة نفوذ تدار من خارج حدودها. يريد أن يكون صاحب قرار في مستقبله.
وقد ساهمت التطورات العسكرية والسياسية في شرق اليمن خلال الفترة الماضية في جعل هذه المسألة أكثر حساسية، خصوصًا مع تصاعد الخلافات حول النفوذ والترتيبات الأمنية والسياسية في حضرموت والمهرة، وهي تطورات كشفت عمق الخلاف حول شكل السلطة والنفوذ في الجنوب.
وفي نهاية المطاف، لا تستطيع السعودية أن تفرض صورة واحدة للعلاقة مع الجنوب. قد تمتلك المال والنفوذ والقوة السياسية، لكنها لا تستطيع أن تفرض على مجتمع كامل أن يثق بها إذا كان يرى سياساتها متعارضة مع تطلعاته.
وفي المقابل، فإن الجنوب أيضًا بحاجة إلى إدارة خلافاته بعقل سياسي، بعيدًا عن تحويل كل خلاف إلى مواجهة مفتوحة مع الجوار.
والمعادلة الأكثر واقعية هي أن يدرك الجميع أن الجغرافيا لا تتغير. السعودية والجنوب جاران، ومصالحهما الأمنية والاقتصادية والبحرية متشابكة، وأي قطيعة سياسية أو عداء طويل لن يكون في مصلحة أحد.
لكن هذه الجغرافيا نفسها تفرض على السعودية مراجعة أدواتها. فإذا كانت الرياض تريد جنوبًا مستقرًا، فعليها أن تتعامل مع إرادة الجنوبيين باعتبارها حقيقة سياسية، لا مشكلة أمنية. وإذا أرادت استعادة الثقة، فعليها أن تنتقل من سياسة إدارة النفوذ إلى سياسة بناء الشراكة.
لأن أخطر ما يمكن أن تخسره أي دولة ليس حليفًا سياسيًا يتغير مع الظروف، وإنما ثقة شعب كامل.
وعندما تضيع الثقة، تصبح كل خطوة سياسية موضع شك، وكل تحرك أمني موضع تفسير، وكل مبادرة للحوار بحاجة إلى سنوات لإثبات حسن النية.
وهنا قد تكون الرسالة الأهم للرياض: الجنوب لا يبحث عن خصم جديد، لكنه أيضًا لم يعد يقبل أن يكون مجرد ورقة في حسابات الآخرين.

فيديو