زحف جنوبي نحو عدن.. مليونية تأسيس الجيش تتحول إلى رسالة شعبية مدوية في وجه الوصاية

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب خاص                   
تتجه أنظار الجنوب اليوم نحو العاصمة عدن، مع تدفق جماهير المحافظات الجنوبية للمشاركة في مليونية إحياء ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، في مشهد جماهيري يحمل أبعادًا تتجاوز حدود الاحتفال بالمناسبة، ليعكس حجم التمسك بالهوية الجنوبية وتقدير التضحيات التي قدمها أبناء القوات المسلحة الجنوبية عبر عقود من المواجهات والتحديات.
ومنذ الساعات الأولى، بدأت قوافل المواطنين بالتحرك من مختلف المناطق والمحافظات باتجاه العاصمة عدن، وسط أجواء تعكس حالة من الحماس الشعبي والاستعداد للمشاركة في فعالية يُراد لها أن تكون مناسبة لتجديد العهد بالوفاء للشهداء والجرحى، والتأكيد على أهمية بناء مؤسسات عسكرية وأمنية قادرة على حماية المواطنين وصون الاستقرار، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والمشاريع التي يرى قطاع واسع من الجنوبيين أنها تنتقص من إرادتهم وقرارهم.
وتكتسب مليونية ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي أهمية خاصة لدى أنصار القضية الجنوبية، باعتبارها مناسبة لاستحضار تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية وما ارتبط بها من محطات وتضحيات، فضلًا عن كونها فرصة للتعبير السلمي عن المواقف السياسية والشعبية تجاه مستقبل الجنوب، وفي مقدمتها رفض أي ترتيبات تُفرض من الخارج دون توافق مع إرادة أبناء الجنوب.
وفي قلب المشهد تبرز عدن باعتبارها نقطة التقاء جماهيري وسياسي، حيث تستعد لاستقبال القادمين من مختلف المحافظات، في صورة تعكس قدرة الفعاليات الشعبية على جمع أعداد كبيرة حول قضية واحدة ومطالب محددة. ويقول المشاركون إن حضورهم لا يستهدف طرفًا بعينه بقدر ما يعبّر عن رغبة في أن يكون للجنوبيين صوت مسموع في القرارات المتعلقة بمستقبلهم، وأن تكون قضاياهم حاضرة في أي تسوية سياسية قادمة.
وتحمل المليونية كذلك رسالة واضحة بشأن القوات المسلحة الجنوبية، التي يضعها المشاركون في صدارة الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار. فبالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب، لم يعد الحديث عن القوات العسكرية والأمنية مجرد نقاش يتعلق بالتشكيلات والترتيبات العسكرية، بل أصبح مرتبطًا بصورة أوسع بمسألة حماية الأرض والمجتمع والحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال سنوات طويلة من المواجهات.
وفي المقابل، يأتي رفض ما يصفه المشاركون بمشاريع الوصاية الخارجية في مقدمة الشعارات والمواقف التي تتردد في الفعاليات الجنوبية، إذ يطالب المحتشدون بأن تكون أي علاقة مع القوى الإقليمية قائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، لا على فرض الخيارات أو التدخل في القرار الجنوبي. ويؤكدون أن دعم الأشقاء، متى كان قائمًا على المصالح المشتركة واحترام إرادة الشعوب، يمكن أن يكون عامل استقرار، لكن تحويل الدعم إلى وسيلة للتأثير في الخيارات الداخلية يظل محل رفض واعتراض شعبي.
ولا تنفصل هذه المواقف عن حالة سياسية متراكمة يعيشها الجنوب منذ سنوات، حيث تتداخل الملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية مع القضية السياسية، الأمر الذي يجعل أي فعالية جماهيرية كبيرة بمثابة مؤشر على اتجاهات الشارع ومزاجه العام. ومن هنا تحاول الجماهير المشاركة إرسال رسالة مفادها أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة في الوعي الشعبي، وأن تجاهلها أو تجاوزها في أي ترتيبات سياسية لن يؤدي، من وجهة نظر المشاركين، إلى إنهاء مطالب الجنوبيين.
وتأتي ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي في هذا السياق لتجمع بين البعد التاريخي والبعد السياسي والبعد المجتمعي؛ فهي مناسبة لاستعادة ذاكرة مؤسسة عسكرية ارتبطت في الوجدان الجنوبي بمراحل مختلفة، وفي الوقت نفسه مناسبة لتكريم من فقدوا حياتهم في ساحات القتال، والتأكيد على أن تضحياتهم لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ذكرى عابرة، بل إلى دافع لبناء مؤسسات أكثر انضباطًا وكفاءة وخضوعًا للقانون.
كما أن الحضور الشعبي الواسع المتوقع في العاصمة عدن يضع القوى السياسية أمام اختبار جديد، إذ إن الحشود الكبيرة عادة ما تحمل رسائل تتجاوز حدود المكان والزمان، وتدفع الأطراف المختلفة إلى إعادة قراءة مواقف الشارع. وفي الحالة الجنوبية، تبدو الرسالة الأساسية مرتبطة بالتمسك بالحقوق السياسية، ورفض الإقصاء، والمطالبة بأن يكون أبناء الجنوب طرفًا رئيسيًا في تحديد مستقبل مناطقهم ومؤسساتهم.
وبعيدًا عن الشعارات السياسية، فإن نجاح أي فعالية جماهيرية يظل مرتبطًا بقدرتها على الحفاظ على طابعها السلمي والتنظيمي، واحترام الممتلكات العامة والخاصة، وتجنب الاحتكاكات، بما يعكس صورة حضارية عن المطالب الشعبية ويمنح الرسائل التي تحملها المليونية مساحة أوسع للوصول إلى الداخل والخارج.
إن الزحف الجماهيري نحو عدن في ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي لا يبدو بالنسبة إلى المشاركين مجرد رحلة للمشاركة في احتفال، بل تعبيرًا عن موقف يريدون إيصاله بوضوح: أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة، وأن الشارع الجنوبي يريد أن تكون له كلمة مسموعة في مستقبل وطنه، وأن العلاقة مع المحيط الإقليمي يجب أن تقوم على الندية والاحترام والمصالح المشتركة، لا على الوصاية أو الإملاءات.
ومع وصول القوافل تباعًا إلى العاصمة، تتحول عدن إلى مسرح لمشهد جنوبي واسع، تختلط فيه ذاكرة الماضي بتطلعات المستقبل، وتتعانق فيه صور الشهداء مع هتافات الجماهير المطالبة بحماية التضحيات وصون الحقوق. وفي هذا المشهد، يريد المشاركون أن يقولوا إن الاحتفاء بالجيش الجنوبي ليس استعادة للتاريخ فحسب، وإنما تأكيد على أن بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وحمايتها من التسييس والتفكيك يمثلان، في نظرهم، جزءًا أساسيًا من معركة الاستقرار وحماية المجتمع.
وبينما تتجه الأنظار إلى عدن، تبقى الرسالة الأبرز التي تحملها المليونية في بعدها الشعبي: الجنوب يريد أن يُسمع صوته، ويرفض أن يُختزل مستقبله في ترتيبات تُصاغ بعيدًا عن إرادة أبنائه. ومن هنا تأتي المشاركة الجماهيرية باعتبارها وسيلة سلمية للتعبير عن الموقف، وتجديدًا للعهد مع الشهداء، وتأكيدًا على أن التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب ستظل حاضرة في الوعي الشعبي وفي النقاش حول مستقبل المنطقة.
وهكذا تتحول ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي إلى محطة جديدة في المشهد الجنوبي، تتقاطع فيها مشاعر الوفاء للماضي مع تطلعات المستقبل، وتتحول فيها عدن إلى قبلة لجماهير تريد إيصال رسالة واحدة بصوت مرتفع: لا مستقبل مستقرًا للجنوب من دون احترام إرادة أبنائه، ولا تسوية سياسية قابلة للحياة من دون حضور حقيقي لقضيته، ولا شراكة إقليمية ناجحة من دون احترام متبادل للقرار والسيادة.

فيديو