مليونية عدن وحضرموت.. عندما يتحول الوفاء للشهداء إلى عهد: القوات المسلحة الجنوبية خط أحمر

تقارير - منذ 5 ساعات

عين الجنوب || خاص                    


لم تكن مليونية الامس في عدن وحضرموت مجرد مناسبة جماهيرية عابرة أو احتفالًا بذكرى وطنية، بل تبدو في دلالاتها السياسية والشعبية وكأنها رسالة جنوبية متجددة، عنوانها الوفاء للشهداء، والتمسك بالقوات المسلحة الجنوبية، والتأكيد على أن هذه القوات باتت في الوعي الشعبي قضية تتجاوز الحسابات السياسية والظروف المرحلية.
وفي كل مرة تتقدم فيها الجماهير الجنوبية إلى ساحات الفعاليات، فإنها لا تستحضر الماضي فحسب، بل تعيد التأكيد على موقفها من الحاضر والمستقبل. فخلف الأعلام والهتافات وصور الشهداء، تقف قضية أكبر: شعب يرى أن ما قدمه أبناؤه في ميادين المواجهة لا يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوض أو مادة للمساومات السياسية.
الشهداء.. ذاكرة لا تُنسى
تحمل المليونية في أحد أبرز معانيها رسالة وفاء للشهداء الذين سقطوا خلال سنوات المواجهة، إذ تحضر صورهم في الذاكرة الشعبية باعتبارهم جزءًا من مسيرة طويلة دفعت خلالها الأسر الجنوبية أثمانًا باهظة.
ولهذا فإن أي محاولة للمساس بالقوات المسلحة الجنوبية أو إضعاف حضورها لا تُقرأ شعبيًا باعتبارها مجرد خطوة إدارية أو عسكرية، وإنما ينظر إليها كثيرون باعتبارها مساسًا بإرث من التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب.
ومن هنا تأتي المليونية لتقول بوضوح: الشهداء ليسوا أرقامًا في سجلات الحرب، والقوات التي حملت رايتهم ليست تفصيلًا هامشيًا يمكن تجاوزه.
القوات المسلحة الجنوبية.. قضية تتجاوز الثكنات
لم تعد القوات المسلحة الجنوبية، في الخطاب الشعبي، مجرد تشكيلات عسكرية تؤدي مهام أمنية وعسكرية، بل أصبحت مرتبطة بصورة الدولة والأمن وحماية المدن والمناطق الجنوبية، وفق رؤية مؤيدي المشروع الجنوبي.
ولهذا فإن الحديث عن مستقبل هذه القوات يلامس واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي الجنوبي. فالمؤيدون يرون أن بناء مؤسسات أمنية وعسكرية جنوبية يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية المجتمع ومنع عودة الفوضى، بينما تؤكد المواقف الشعبية المتكررة رفض أي ترتيبات يرون أنها تنتقص من دور هذه القوات أو تضعف حضورها.
وتأتي مليونية عدن وحضرموت في هذا السياق لتجدد التأكيد على أن القوات المسلحة الجنوبية خط أحمر في الوعي الشعبي، وأن أي تغيير في وضعها أو مستقبلها، من وجهة نظر المشاركين، يجب أن يأخذ في الاعتبار تضحياتها ومكانتها لدى الشارع.
حضرموت وعدن.. رسالة واحدة رغم اختلاف الجغرافيا
من عدن إلى حضرموت، تبدو الرسالة التي تحملها الفعاليات الجنوبية متقاربة في جوهرها: لا يمكن فصل المطالب السياسية عن الملف الأمني والعسكري، ولا يمكن الحديث عن مستقبل الجنوب بمعزل عن القوى التي يرى مؤيدو القضية الجنوبية أنها تتحمل مسؤولية حماية الأرض والمجتمع.
وتكتسب مشاركة حضرموت أهمية خاصة بالنظر إلى ثقلها السياسي والجغرافي والاقتصادي، فيما تمثل عدن مركزًا سياسيًا ورمزيًا بارزًا في الوعي الجنوبي.
وهكذا تتحول المليونية من تجمع جماهيري إلى مشهد سياسي يحمل أكثر من رسالة، أبرزها أن الشارع الجنوبي يريد أن يكون حاضرًا في تحديد مستقبل مؤسساته، وألا تُفرض عليه ترتيبات من خارج إرادته.
جدار شعبي في مواجهة محاولات الإضعاف
تتعدد القراءات السياسية لما يجري في الجنوب، كما تتعدد القوى والمشاريع المتنافسة على النفوذ، لكن المؤكد أن الحشد الشعبي يمنح أي قضية زخمًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
ومن هذه الزاوية، فإن مليونية عدن وحضرموت تحمل رسالة إلى مختلف الأطراف بأن محاولات إضعاف القوات الجنوبية أو إعادة ترتيب المشهد من دون توافق شعبي قد تواجه اعتراضًا واسعًا.
فالجيش، في نظر مؤيديه، ليس مجرد سلاح وعتاد، وإنما ذاكرة وتضحيات وانتماء. وعندما تحتشد الجماهير خلف قواتها، فإنها تعلن أن علاقتها بهذه القوات لا تختزل في البيانات السياسية، بل ترتبط بما تعتبره تاريخًا من المواجهة والتضحيات.
عهد جديد.. الوفاء للشهداء وحماية المستقبل
في نهاية المطاف، قد تنتهي المليونية بانتهاء الهتافات وتفرق الجماهير، لكن الرسالة التي تحملها ستبقى حاضرة في المشهد السياسي الجنوبي.
إنها رسالة تقول إن الوفاء للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالحفاظ على المؤسسات التي يرى أنصار القضية الجنوبية أنها تشكل حصيلة لتضحياتهم، والعمل على بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، بعيدًا عن الإقصاء والفرض بالقوة.
وهكذا تبدو مليونية عدن وحضرموت، في معناها السياسي والشعبي، عهدًا جنوبيًا متجددًا: عهدًا بالوفاء للشهداء، والتمسك بالمؤسسات العسكرية والأمنية الجنوبية، ورفض تحويل مستقبل الجنوب إلى مجرد صفقة سياسية.
وفي مشهد تتصارع فيه المشاريع والحسابات، تبقى الرسالة الأبرز التي تسعى الجماهير إلى إيصالها واضحة: القوات المسلحة الجنوبية ليست خطًا عابرًا في المشهد، وأي محاولة للنيل منها ستواجه، موقفًا شعبيًا يرى فيها حصنًا للأمن وامتدادًا لتضحيات الشهداء.

فيديو