الجيش الجنوبي.. 55 عاماً على تأسيس مؤسسة حملت راية السيادة والانضباط

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن، عين الجنوب

خمسة وخمسون عاماً مرت منذ أن بدأت ملامح الجيش الجنوبي تتشكل بوصفه مؤسسة عسكرية منظمة حملت على عاتقها مسؤوليات الدفاع عن الأرض وحماية الحدود وترسيخ مفهوم الدولة ومؤسساتها في جنوب اليمن.

وفي الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيسه، لا تبدو المناسبة مجرد محطة لاستعادة صفحات من التاريخ العسكري، بقدر ما تمثل فرصة لقراءة مسيرة مؤسسة ارتبط حضورها بتحولات سياسية وعسكرية كبرى شهدها جنوب اليمن، وبأجيال من الضباط والجنود الذين أمضوا سنوات من أعمارهم في ميادين التدريب والخدمة والقتال.

من البدايات إلى بناء المؤسسة
تعود جذور تأسيس الجيش الجنوبي إلى مرحلة ما بعد استقلال جنوب اليمن في نوفمبر 1967، حين برزت الحاجة إلى بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على حماية الدولة الوليدة وتأمين حدودها ومقدراتها.

وفي الأول من سبتمبر عام 1971، جرى الإعلان عن تأسيس الجيش الجنوبي في إطار عملية أوسع لإعادة تنظيم القوات المسلحة وتوحيد تشكيلاتها وبناء هياكل عسكرية أكثر انتظامًا.

ولم تكن عملية بناء الجيش مهمة سهلة في تلك المرحلة؛ فقد كانت الدولة الجديدة أمام تحديات متعددة، من بينها محدودية الإمكانات، والحاجة إلى تأهيل الكوادر، وإنشاء منظومة متكاملة للتدريب والتسليح والانضباط العسكري.

ومع مرور السنوات، تطورت المؤسسة العسكرية الجنوبية من تشكيلات محدودة الإمكانات إلى جيش يمتلك بنية تنظيمية متدرجة، وتخصصات عسكرية متعددة، ومؤسسات للتدريب والتأهيل، الأمر الذي جعله أحد أبرز مؤسسات الدولة في الجنوب.

مدرسة عسكرية وصناعة للكوادر

لم تقتصر أهمية الجيش الجنوبي على دوره القتالي، إذ أسهمت المؤسسة العسكرية في تخريج أجيال من الضباط والكوادر الذين تلقوا تدريبات عسكرية داخلية وخارجية، وتخصصوا في مجالات مختلفة شملت القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والاتصالات والهندسة وغيرها.

وكان الانضباط العسكري أحد أبرز السمات التي ارتبطت بتلك المرحلة، إلى جانب اعتماد أنظمة للتأهيل والترقية والتخصص، وهي عوامل أسهمت في تكوين ثقافة مهنية داخل المؤسسة.

كما شكّلت الكليات والمعاهد والمراكز التدريبية العسكرية رافدًا أساسيًا لإعداد الضباط والجنود، وربطت بين الجانب النظري والتدريب الميداني، في محاولة لبناء جيش قادر على التعامل مع متطلبات الأمن والدفاع في دولة حديثة النشأة.

الجيش والحدود والسيادة

في الوعي الجمعي لكثير من أبناء الجنوب، ارتبط الجيش الجنوبي بصورة المؤسسة التي كانت مسؤولة عن حماية حدود الدولة وتأمين أراضيها ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي.

وقد خاض الجيش خلال مسيرته عددًا من المواجهات والحروب، ومر بمراحل صعبة فرضت عليه إعادة ترتيب صفوفه وتطوير قدراته والتعامل مع ظروف سياسية وعسكرية متغيرة.

ومع كل تلك التحولات، ظل مفهوم السيادة حاضرًا في الخطاب المرتبط بالمؤسسة العسكرية، باعتبار الجيش إحدى الأدوات الأساسية التي تمتلكها الدولة لحماية أراضيها وصون قرارها الوطني.

محطات مفصلية في مسيرة الجيش

لم تكن مسيرة الجيش الجنوبي منفصلة عن التحولات السياسية التي شهدها جنوب اليمن، بل كانت المؤسسة العسكرية في كثير من الأحيان في قلب تلك التحولات.

وشهدت العقود السابقة على الوحدة اليمنية عام 1990 صراعات داخلية وأحداثًا سياسية وعسكرية أثرت في بنية الجيش وتكوينه وانتشاره، كما شاركت وحداته في أحداث مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري في الجنوب.

وكانت حرب عام 1994 إحدى أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ المؤسسة العسكرية الجنوبية، إذ انتهت بهزيمة القوات الجنوبية وتراجع نفوذها وتفكيك جانب كبير من بنيتها العسكرية، ضمن تحولات عميقة طالت مؤسسات الدولة والمجتمع في الجنوب.

ومنذ ذلك التاريخ، ظل ملف الجيش الجنوبي حاضرًا في الذاكرة السياسية والاجتماعية الجنوبية، باعتباره جزءًا من قضية أوسع تتصل بمصير مؤسسات الدولة الجنوبية والكوادر التي عملت فيها.

ذاكرة الجنود والضباط

وراء الأرقام والتشكيلات العسكرية، تقف حكايات آلاف الضباط والجنود الذين ارتبطت حياتهم بالمؤسسة العسكرية.

فقد كان الجيش بالنسبة إلى كثير منهم أكثر من وظيفة؛ كان مسارًا مهنيًا وحياة كاملة تبدأ من بوابة المعسكر، مرورًا بالتدريب والانضباط، وصولًا إلى مواقع المسؤولية والقيادة.

وتستعيد الذكرى الخامسة والخمسون صور أولئك الذين خدموا في مختلف الوحدات والتشكيلات، والذين قضوا سنوات طويلة في مواقعهم، سواء في الثكنات أو على الحدود أو في ميادين التدريب والعمليات.

كما تستعيد ذاكرة المؤسسة أسماء شهداء سقطوا في مراحل مختلفة، لتظل تضحياتهم جزءًا من السردية التي تشكلت حول الجيش ودوره في حماية الوطن.

الذكرى بين استحضار الماضي وقراءة المستقبل

إن إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة واليمن عمومًا تحديات أمنية وعسكرية متزايدة، الأمر الذي يجعل استحضار تجربة المؤسسة العسكرية الجنوبية مرتبطًا أيضًا بالسؤال عن مستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية.

فالتجارب التاريخية تؤكد أن قوة أي جيش لا تقاس بعدد أفراده أو حجم تسليحه فحسب، وإنما بمدى مهنية المؤسسة، وانضباطها، وقدرتها على العمل وفق عقيدة وطنية واضحة، وخضوعها للمؤسسات والقوانين، وامتلاكها منظومة متكاملة للتدريب والتأهيل والقيادة.

ومن هنا، فإن الحديث عن الجيش الجنوبي اليوم لا ينبغي أن يقتصر على استعادة الماضي أو تمجيد التجربة، بل يمكن أن يتحول إلى نقاش أوسع حول الدروس التي يمكن استخلاصها من تلك المسيرة، وما الذي يمكن أن تقدمه للأجيال الجديدة في بناء مؤسسات عسكرية أكثر كفاءة وتنظيمًا.

مؤسسة في ذاكرة وطن

بعد خمسة وخمسين عامًا، بقي الجيش الجنوبي حاضرًا في الذاكرة السياسية والاجتماعية لأبناء الجنوب، بما يمثله من مرحلة ارتبطت ببناء مؤسسات الدولة وتكوين أجيال من الكوادر العسكرية.

وتحمل الذكرى في بعدها الرمزي صورة جيل آمن بأن بناء الدولة لا يكتمل من دون مؤسسات تحميها، وأن السيادة ليست شعارًا سياسيًا، بل مسؤولية تتطلب مؤسسات قادرة على الدفاع عن الأرض وحماية المجتمع.

وبين تاريخ التأسيس ومحطات الصعود والانكسار، تبقى تجربة الجيش الجنوبي صفحة بارزة في التاريخ الحديث لجنوب اليمن؛ صفحة تختزن دروسًا في بناء المؤسسات، وأثمان الصراعات، وأهمية المهنية والانضباط، وضرورة أن تكون المؤسسة العسكرية فوق التجاذبات السياسية، وأن يظل ولاؤها للدولة والمجتمع والقانون.

وفي الذكرى الخامسة والخمسين، لا يستعيد الجنوبيون تاريخ جيشهم باعتباره مجرد ماضٍ عسكري، بل يستعيدون جزءًا من ذاكرتهم الوطنية؛ ذاكرة مؤسسة تركت أثرًا عميقًا في مسار الدولة والمجتمع، وظلت حاضرة في وجدان أجيال تعاقبت على أرض الجنوب.

إنها ذكرى خمسة عقود ونصف من التاريخ العسكري، بما حمله من إنجازات وإخفاقات، انتصارات وانكسارات، وبما تركه من كوادر وتضحيات وتجارب.

وإذا كان التاريخ لا يعود إلى الوراء، فإن قراءته تظل ضرورية لفهم الحاضر وبناء المستقبل؛ فالمؤسسات العسكرية التي تصمد أمام تحولات الزمن هي تلك التي تتعلم من تاريخها، وتحافظ على مهنيتها، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة.

وهكذا تظل الذكرى الخامسة والخمسون لتأسيس الجيش الجنوبي مناسبة لاستحضار الرجال والمؤسسة والتجربة، والأهم من ذلك استحضار قيمة الدولة ومفهوم السيادة والانضباط، باعتبارها مبادئ لا يفقدها الزمن معناها، مهما تبدلت الظروف وتغيرت موازين السياسة.

فيديو