غارات باب المندب وحضرموت.. لماذا تتجه النيران نحو القوات الجنوبية؟ سؤالٌ يفتح ملف الحسابات السعودية في الجنوب

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب| خاص                   
عاد ملف العلاقة بين السعودية والقوات الجنوبية إلى واجهة المشهد مع تصاعد الحديث عن غارات جوية استهدفت مواقع وقوات جنوبية في مناطق قريبة من باب المندب، بالتزامن مع اتهامات مماثلة بشأن أحداث سابقة في حضرموت. وبينما تتحدث مصادر وقيادات جنوبية عن استهداف سعودي مباشر، لا تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل يحدد طبيعة الأهداف والجهة المنفذة والظروف التي سبقت الضربات.
وخلال الأيام الأخيرة، نقلت وسائل إعلام يمنية عن قيادي في قوات العمالقة، عبدالرحمن الصبيحي، تأكيده تعرض قوات جنوبية لغارات سعودية قرب مضيق باب المندب، فيما تحدثت تقارير أخرى عن سقوط ضحايا جراء القصف. كما أوردت مصادر محلية روايات عن غارات في منطقة كهبوب ومناطق أخرى على الساحل الغربي.
وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة لأن باب المندب ليس جبهة عسكرية عادية؛ فهو أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة، وأي تغير في ميزان القوى حوله ينعكس على أمن الملاحة وحركة التجارة وعلى الحسابات العسكرية والسياسية للأطراف اليمنية والإقليمية. وفي المقابل، تؤكد السعودية رسميًا أن عملياتها في هذه المنطقة ترتبط بحماية الملاحة والسفن ومواجهة التهديدات المرتبطة بالحوثيين.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: هل حدثت غارات على القوات الجنوبية؟ بل أيضًا: ما طبيعة القرار العسكري الذي يقف خلفها، ولماذا أصبحت القوات الجنوبية نفسها طرفًا في الاشتباك الجوي والسياسي؟
فبحسب روايات جنوبية منشورة، فإن القوات التي تعرضت للغارات كانت في مواجهة مباشرة مع الحوثيين على محاور الساحل الغربي، الأمر الذي أثار غضبًا واسعًا لدى مؤيديها، وفتح الباب أمام تفسير سياسي للضربات يتجاوز مسألة "الخطأ العسكري". أحد التقارير المحلية ذهب إلى حد وصف القصف بأنه "انتقام" من القوات الجنوبية،
وتزداد حساسية المشهد عند وضع أحداث باب المندب في سياق التطورات السابقة في حضرموت. فقد وثق تقرير بحثي صادر عن مركز "سوث24" خلال عام 2026 مواجهات وتوترًا بين القوات الجنوبية وقوات مدعومة من السعودية، وتحدث التقرير عن غارات جوية سعودية خلال تلك التطورات، مع أرقام للضحايا استندت إلى تقديرات ومصادر عسكرية. وهذه المعطيات تشير إلى أن التوتر بين الطرفين ليس وليد أحداث الساحل الغربي وحدها.
لكن في المقابل، فإن تصوير المشهد باعتباره مواجهة سعودية-جنوبية خالصة يتجاهل تعقيدات الحرب اليمنية. فالسعودية تدعم رسميًا الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيما تضم القوات المناهضة للحوثيين تشكيلات متعددة تختلف في القيادة والمصالح ومناطق الانتشار. وتشير تقارير حديثة إلى أن الساحل الغربي شهد تحولات عسكرية كبيرة خلال سبتمبر/أيلول 2026، مع تقدم حوثي باتجاه مناطق قريبة من باب المندب وإعادة انتشار للقوات المناهضة لهم.
ومن هنا تظهر المفارقة التي أثارت الجدل في الشارع الجنوبي: كيف يمكن أن تكون القوات الجنوبية جزءًا من المعسكر المناهض للحوثيين، ثم تتحول في بعض اللحظات إلى هدف للضربات الجوية من طرف إقليمي يقود عمليات عسكرية ضد الحوثيين؟
الإجابة الكاملة عن هذا السؤال تتطلب معلومات عسكرية لا تتوافر علنًا حتى الآن، لكن الوقائع المتاحة تسمح بطرح عدة تفسيرات متنافسة: احتمال وجود أخطاء في تحديد الأهداف، أو اختلاف في قواعد الاشتباك والتنسيق بين القوات المختلفة، أو وجود صراع على مناطق النفوذ والانتشار، أو محاولة من أطراف إقليمية إعادة رسم خريطة القوى المحلية بما يتوافق مع حساباتها السياسية والأمنية.
وتزداد أهمية هذا النقاش لأن حضرموت وباب المندب يمثلان منطقتين شديدتي الحساسية بالنسبة لمستقبل اليمن. حضرموت ترتبط بالموارد والطاقة والمساحة الجغرافية والموقع الاستراتيجي، بينما يرتبط باب المندب بالتجارة الدولية والأمن البحري. ولذلك فإن أي تحرك عسكري في المنطقتين لا يمكن فصله بسهولة عن الحسابات السياسية الأوسع.
 كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أن السعودية تواجه في الوقت نفسه تهديدات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية وتبحث عن دعم دفاعي إضافي. كما أفادت مصادر أخرى بإعلان الحوثيين عن غارات سعودية واسعة خلال الأيام الأخيرة.
وبالتالي، فإن المقارنة بين تعامل السعودية مع الحوثيين وتعاملها مع القوات الجنوبية تحتاج إلى قراءة أوسع من مجرد عدد الغارات. القضية الأساسية هي طبيعة الأهداف التي تختارها الرياض، والرسائل السياسية المصاحبة للعمل العسكري، وموقع كل قوة في التصور السعودي للحل السياسي والعسكري في اليمن.
وتبقى الغارات المبلغ عنها في حضرموت وبالقرب من باب المندب نقطة تحول في النقاش حول مستقبل العلاقة بين السعودية والقوى الجنوبية. فإذا ثبت بصورة مستقلة أن ضربات جوية سعودية استهدفت قوات جنوبية كانت تقاتل الحوثيين، فإن ذلك سيطرح أسئلة كبيرة حول قواعد التنسيق العسكري بين الحلفاء، وحول حدود الشراكة التي حكمت جانبًا من المشهد اليمني خلال السنوات الماضية.
أما إذا أثبت التحقيق الميداني أن بعض الضربات كانت نتيجة أخطاء في تحديد الأهداف أو ملابسات عملياتية، فإن الرواية ستأخذ مسارًا مختلفًا تمامًا.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الأهم مطروحًا أمام الرأي العام اليمني: هل ما يجري مجرد أخطاء عسكرية في حرب شديدة التعقيد، أم أنه انعكاس لصراع أوسع على النفوذ وترتيب القوى والمواقع الاستراتيجية في الجنوب وساحله؟
هذا السؤال لا يمكن حسمه بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى كشف تفاصيل العمليات، وتحديد الأهداف التي تعرضت للقصف، والاستماع إلى روايات جميع الأطراف، وإجراء تحقيق مستقل في الخسائر والظروف التي أحاطت بالضربات. فبين حضرموت وباب المندب، تبدو المعركة أبعد من مجرد اشتباك عسكري؛ إنها جزء من صراع أكبر على شكل اليمن القادم وعلى من يملك النفوذ في أكثر مناطقه استراتيجية.

فيديو