التدخلات السعودية في الجنوب.. صراع النفوذ يهدد بإعادة تشكيل المشهد وفتح أبواب مواجهة جديدة

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب ||خاص                  

تدخل التحركات السعودية في المحافظات الجنوبية مرحلة أكثر حساسية، في ظل اتساع الحديث عن إعادة ترتيب المنظومة العسكرية والأمنية، واستقدام تشكيلات موالية للرياض إلى مواقع استراتيجية، بالتزامن مع تصاعد التوتر حول مستقبل عدن وحضرموت والضالع وبقية المحافظات الجنوبية. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه اليمن واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ سنوات، مع تجدد القتال مع الحوثيين وتصاعد أهمية الساحل الغربي وباب المندب في الحسابات الإقليمية والدولية. 
ولا ينظر كثير من القوى الجنوبية إلى التحرك السعودي باعتباره مجرد ترتيبات أمنية مرتبطة بالحرب على الحوثيين، بل باعتباره جزءًا من مسار أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل الجنوب، وإعادة بناء القوات والأجهزة الأمنية وفق هياكل جديدة مرتبطة بالسلطة المدعومة من الرياض. وتشير دراسة لمركز صنعاء إلى أن السعودية تحركت منذ بداية عام 2026 لملء الفراغ الأمني الذي أعقب التحولات العسكرية في الجنوب، ودخلت في عملية واسعة لإعادة هيكلة القوات والأجهزة الأمنية في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا.
وهنا تبرز القضية الأكثر حساسية: من يملك القرار الأمني والعسكري في عدن والجنوب؟ فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بأسماء الوحدات أو مواقع انتشارها، وإنما بمستقبل منظومة القوة نفسها، ومن يمتلك حق تحديد أولوياتها ومهامها واتجاهات استخدامها.
وفي سبتمبر الجاري، تصاعد الجدل بصورة أكبر عقب تقارير تحدثت عن تحركات لقوات الطوارئ المدعومة سعوديًا باتجاه عدن، وسط رفض من المجلس الانتقالي الجنوبي لهذه الخطوة وتحذيرات من انعكاساتها على الوضع الأمني في العاصمة. ونقلت تقارير محلية عن المجلس رفضه دخول تلك القوات، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تحرك قافلة تضم عشرات الآليات والأفراد باتجاه عدن. وهذه التفاصيل تبقى في إطار التقارير المتداولة، ولا يوجد حتى الآن إعلان مستقل شامل يثبت جميع أرقامها وتفاصيلها ميدانيًا. 
 
وتكتسب هذه التحركات خطورتها من طبيعة عدن نفسها؛ فالمدينة ليست مجرد عاصمة مؤقتة أو مركز إداري، وإنما تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري للجنوب، وأي تغيير في تركيبتها الأمنية يمكن أن ينعكس مباشرة على بقية المحافظات.
ومن هنا تتسع المخاوف الجنوبية من أن يتحول ملف الأمن إلى وسيلة لإعادة صياغة التوازنات السياسية بالقوة، خصوصًا إذا جرى تشكيل وحدات جديدة أو إعادة توزيع القوات بعيدًا عن التوافق المحلي. فالخبرة اليمنية خلال السنوات الماضية أظهرت أن إنشاء تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات لم يؤدِ دائمًا إلى توحيد القرار، بل ساهم في بعض المراحل في تعقيد المشهد وخلق مراكز قوة متنافسة.
وتزداد حساسية الملف مع استمرار الحرب مع الحوثيين وتصاعد المخاطر حول باب المندب والساحل الغربي. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الحوثيين حققوا تقدمًا على الساحل الغربي، وسط تهديدات متزايدة للممرات البحرية، الأمر الذي جعل باب المندب واحدًا من أبرز بؤر الصراع الإقليمي. 
 
وفي هذه الظروف، يطرح الجنوبيون سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الأولوية مواجهة الحوثيين وحماية خطوط الملاحة، فلماذا تتحول بعض الجهود العسكرية والسياسية إلى صراع داخل المناطق الجنوبية نفسها؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع الحديث عن دفع القوات الجنوبية للمشاركة في عمليات خارج نطاق المحافظات الجنوبية، في الوقت الذي تقول فيه قوى جنوبية إن الأولوية يجب أن تكون حماية الجنوب وتأمين حدوده وموانئه ومدنه وممراته الاستراتيجية.
وقد ظهرت بالفعل مواقف معلنة من فصائل جنوبية ترفض المشاركة في مهام عسكرية خارج المحافظات الجنوبية، مؤكدة أن حماية الجنوب وأمن سكانه يمثلان أولوية لها. 
 
لكن المخاطر لا تتوقف عند الجانب العسكري. فالتدخلات الإقليمية عندما تتجاوز دعم الاستقرار إلى إعادة إنتاج مراكز نفوذ محلية قد تفتح الباب أمام صراع سياسي طويل حول من يمثل الجنوب ومن يملك قرار محافظاته.
ويبرز هنا ملف حضرموت بصورة خاصة، باعتبارها محافظة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، وتضم موارد نفطية ومنافذ بحرية وبرية واسعة. وأي إعادة ترتيب للقوات فيها لا يمكن فصلها عن الصراع على الموارد والنفوذ والقرار السياسي.
كما أن الضالع وأبين وشبوة وعدن ليست بعيدة عن هذه المعادلة؛ إذ إن أي تغيير في خارطة الانتشار العسكري في محافظة واحدة قد يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها، بما يخلق سلسلة من ردود الفعل المتبادلة.
وفي هذا السياق، فإن أخطر ما يمكن أن ينتج عن التدخلات الخارجية ليس وجود طرف إقليمي بحد ذاته، وإنما تحويل الجنوب إلى ساحة تنافس بين مشاريع متعددة، بحيث تصبح القوات المحلية أدوات في صراعات أكبر من حدود مصالح السكان أنفسهم.
وتظهر مؤشرات هذا التوتر في الخطاب السياسي والإعلامي المتصاعد خلال الأشهر الأخيرة. فقد اتهم المجلس الانتقالي في بيانات ومواقف منشورة السعودية بالسعي إلى فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، بينما تؤكد الرياض والجهات المرتبطة بها أن إعادة هيكلة القوات تأتي ضمن جهود تنظيم المعسكر المناهض للحوثيين وتوحيد المؤسسات الأمنية 
غير أن الوقائع الميدانية نفسها تكشف حجم التعقيد. فبدل أن يؤدي تعدد التشكيلات إلى إنهاء الانقسام، يمكن أن ينتج واقعًا أكثر هشاشة إذا لم يكن هناك اتفاق واضح على سلسلة القيادة والمهام والانتشار الجغرافي.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن أي صدام جنوبي ـ جنوبي سيكون مختلفًا عن الصراعات السابقة؛ لأنه سيقع في بيئة شديدة الحساسية، وفي وقت تتقدم فيه المعركة الحوثية على الساحل الغربي، وتتعاظم أهمية باب المندب، وتتزايد أعداد النازحين الباحثين عن مناطق أكثر أمنًا. وقد أفادت تقارير حديثة بوصول أعداد كبيرة من النازحين إلى عدن نتيجة التصعيد الأخير على الساحل الغربي.
 
وبذلك، فإن استنزاف القوى الجنوبية في صراعات داخلية أو مواجهات مرتبطة بإعادة توزيع النفوذ قد ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها على التعامل مع التهديدات القادمة من الشمال والساحل الغربي.
كما أن استمرار الأزمة الاقتصادية والخدمية يزيد من حساسية الشارع. فحين يعاني المواطن من تدهور الخدمات والعملة والرواتب والكهرباء والمياه، فإن أي تحرك عسكري جديد يُفهم سياسيًا بوصفه أولوية على حساب الملفات المعيشية، حتى لو كان مبرره المعلن أمنيًا.
ولهذا فإن المخاطر المحتملة للتدخلات السعودية في الجنوب يمكن تلخيصها في عدة مستويات مترابطة: توسيع الانقسام العسكري، إضعاف القرار المحلي، خلق مراكز قوة متنافسة، تحويل عدن إلى ساحة تجاذب، زيادة التوتر في حضرموت، وإبعاد الاهتمام عن التهديد الحوثي المباشر لصالح صراعات داخلية على النفوذ.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن السعودية تنظر إلى الجنوب واليمن عمومًا من زاوية ماتسميه أمنها القومي، خصوصًا مع تصاعد الهجمات الحوثية على أراضيها والمنشآت المرتبطة بالطاقة. وتشير التقارير الحديثة إلى أن المواجهة السعودية ـ الحوثية شهدت تصعيدًا كبيرًا خلال سبتمبر، مع استهداف منشآت وبنى تحتية داخل السعودية، وهو ما يفسر جانبًا من رغبة الرياض في إعادة ترتيب القوات المناهضة لحوثيين
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الضرورات الأمنية السعودية إلى ترتيبات مفروضة على الجنوب دون توافق محلي واضح.
فالجنوب، وفق المواقف السياسية للقوى الجنوبية، يريد أن يكون طرفًا في تحديد مستقبله وليس مجرد مساحة جغرافية لإدارة الصراع الإقليمي. ومن هنا فإن أي ترتيبات جديدة تحتاج إلى مراعاة الواقع المحلي، وتجنب فرض تشكيلات أو قيادات أو مهام عسكرية بالقوة، لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد الاحتقان بدلًا من تحقيق الاستقرار.
وفي نهاية المطاف، فإن معركة النفوذ في الجنوب ليست مجرد صراع على معسكر أو مطار أو قصر رئاسي، بل صراع على شكل الدولة القادمة، وعلى هوية القوى التي ستدير الأمن والموارد والموانئ والمنافذ، وعلى الجهة التي سيكون لها القرار في عدن وحضرموت وبقية المحافظات.
ومع استمرار التصعيد حول باب المندب، تبدو الحاجة أكبر إلى تحييد المدن الجنوبية عن صراعات النفوذ الداخلية، وتوجيه الموارد العسكرية نحو مواجهة التهديدات التي تمس أمن المنطقة والملاحة الدولية، بالتوازي مع معالجة الملفات السياسية عبر تفاهمات واضحة تضمن عدم تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
فإذا تحولت إعادة الهيكلة العسكرية إلى وسيلة لفرض نفوذ طرف على آخر، فإن النتيجة المحتملة ليست استقرارًا أطول، وإنما دورة جديدة من التوتر. أما إذا جرى التعامل مع الجنوب باعتباره طرفًا سياسيًا وعسكريًا له مصالحه وخصوصيته، فقد تصبح الترتيبات الأمنية جزءًا من حل أوسع بدل أن تتحول إلى سبب جديد للأزمة.
وفي ظل المعطيات الراهنة، يبقى مستقبل عدن والجنوب مرتبطًا بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على منع الانزلاق من صراع النفوذ السياسي إلى مواجهة ميدانية مفتوحة، خصوصًا في لحظة تتزايد فيها المخاطر حول باب المندب والساحل الغربي، ويحتاج فيها اليمنيون قبل أي وقت مضى إلى ترتيبات أمنية واضحة تمنع انفجار جبهة جديدة داخل المناطق التي يفترض أن تكون خط الدفاع عن السكان والممرات الاستراتيجية.

فيديو