واشنطن أمام رؤية الانتقالي: أمن الممرات ومستقبل الجنوب في صلب المعادلة

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب خاص                    

في تحول لافت في الخطاب السياسي المتعلق بمستقبل اليمن وترتيبات الأمن في المنطقة، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى نقل النقاش من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة مع الحوثيين إلى مساحة أوسع تتصل بشكل الدولة اليمنية ومستقبل الجنوب وطبيعة القوى القادرة على حماية الممرات البحرية الحيوية في خليج عدن وباب المندب.
وفي هذا السياق، وجّه مسؤول بارز في المجلس الانتقالي الجنوبي رسالة إلى الولايات المتحدة، داعيًا واشنطن إلى إعادة النظر في طريقة مقاربتها للملف اليمني، وعدم حصر التعامل مع الأزمة في إطار الترتيبات التي تقودها السعودية أو ترك الرياض تحدد وحدها مسار الحل السياسي والأمني.
وجاءت الدعوة على لسان عمر البيض، ممثل الشؤون الخارجية في المجلس الانتقالي الجنوبي، خلال مقابلة مع موقع "المونيتور"، حيث طرح رؤية تقوم على أن معالجة الخطر الحوثي لا يمكن أن تقتصر على الضربات العسكرية، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء منظومة أمنية وسياسية أوسع تشارك فيها القوى المحلية ودول المنطقة.
ويطرح الانتقالي، وفق ما جاء في تصريحات البيض، فكرة إقامة ما وصفه بـ"منطقة عازلة" في الجنوب، باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن أن تحد من قدرة الحوثيين على التوسع باتجاه الجنوب والممرات البحرية الاستراتيجية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل حساسية الموقع الجغرافي للجنوب، الذي يمتد على سواحل بحر العرب وخليج عدن ويطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو باب المندب. ومن منظور المجلس الانتقالي، فإن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يُناقش بمعزل عن الحسابات الأمنية الإقليمية والدولية المرتبطة بالملاحة والتجارة وأمن البحر الأحمر.
ويحاول المجلس من خلال هذه المقاربة تقديم قضية الجنوب باعتبارها جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، وليس مجرد ملف داخلي مرتبط بالخلافات السياسية اليمنية.
وفي حديثه، ربط البيض بين التطورات العسكرية على الأرض وبين ما وصفه بالفراغ الذي نشأ نتيجة التغييرات التي طرأت على تركيبة القوات المناهضة للحوثيين، مشيرًا إلى أن إعادة هيكلة القوات في الجنوب أدت، بحسب رؤيته، إلى تراجع مستوى التنسيق بين التشكيلات العسكرية المختلفة.
ويرى المسؤول الجنوبي أن تشتت مراكز القيادة والسيطرة يمكن أن يخلق ثغرات أمنية تستفيد منها جماعة الحوثي، خصوصًا في المناطق القريبة من خطوط التماس والممرات الاستراتيجية.
وقال البيض إن "الفراغ" أتاح للحوثيين فرصًا للتقدم، معتبرًا أن غياب قوة جنوبية موحدة وقادرة على الردع ينعكس بصورة مباشرة على قدرة القوى المناهضة للحوثيين على حماية مناطقها.
وبحسب التصريحات المنسوبة إليه، فإن التشكيلات الجنوبية الموجودة حاليًا تتبع جهات قيادية مختلفة، بعضها ضمن ترتيبات مدعومة من السعودية، وأخرى خارج تلك الأطر، إلا أن البيض يرى أن أي تقدم حوثي باتجاه الجنوب يمكن أن يدفع هذه القوات إلى توحيد جهودها في مواجهة الخطر المشترك.
وهنا يبرز أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المشهد اليمني: تعدد القوى العسكرية والسياسية وتداخل الأجندات الإقليمية والمحلية، في وقت لم تنجح فيه الترتيبات السابقة في إنتاج منظومة أمنية موحدة قادرة على إنهاء حالة الانقسام العسكري والسياسي.
ولا يطرح الانتقالي، وفق تصريحات البيض، التدخل العسكري الأميركي باعتباره الحل النهائي للأزمة. بل إن المسؤول الجنوبي يؤكد أن التجارب العسكرية السابقة أظهرت محدودية قدرة الضربات الجوية وحدها على إنهاء التهديد الحوثي.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يحاول إعادة تعريف السؤال المطروح أمام واشنطن. فبدل أن يكون السؤال محصورًا في كيفية تنفيذ عمليات عسكرية ضد الحوثيين، يصبح السؤال متعلقًا بكيفية بناء ترتيبات سياسية وأمنية مستدامة تمنع عودة التهديد بعد انتهاء أي حملة عسكرية.
وفي هذا الإطار، دعا البيض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تبني مقاربة شاملة تضم القوى المحلية والإقليمية، والعمل على بناء منظومة ردع متكاملة في مواجهة الحوثيين، بدل الاكتفاء بخيار عسكري منفرد أو ترك إدارة الملف لطرف إقليمي واحد.
ويحمل هذا الطرح رسالة سياسية واضحة إلى واشنطن مفادها أن مستقبل اليمن، من وجهة نظر المجلس الانتقالي، لا يمكن أن يُرسم بعيدًا عن القوى الموجودة على الأرض، ولا يمكن أن تستند الترتيبات الأمنية إلى تفاهمات إقليمية لا تأخذ في الاعتبار تطلعات الأطراف المحلية، وفي مقدمتها القوى الجنوبية.
وفي قلب هذه الرؤية يأتي ملف مستقبل الجنوب.
فالمجلس الانتقالي يؤكد أنه يدفع باتجاه تسوية سياسية تعترف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي، وهو موقف يرتبط بالمشروع الذي يتبناه المجلس بشأن الوصول إلى استفتاء يحدد مستقبل الجنوب بعد مرحلة انتقالية.
وكان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي قد طرح مسارًا انتقاليًا يمتد لعامين، ينتهي باستفتاء حول استقلال الجنوب، في إطار رؤية المجلس لإعادة صياغة شكل الدولة والترتيبات السياسية في اليمن.
ومن خلال تصريحات البيض، يبدو أن الانتقالي يحاول تقديم هذا الطرح إلى المجتمع الدولي من زاوية مختلفة؛ إذ لا يقدمه باعتباره مجرد مطلب سياسي جنوبي، وإنما يربطه أيضًا بحسابات الأمن والاستقرار الإقليمي.
ويقوم المنطق الذي يطرحه المجلس على أن وجود كيان جنوبي مستقر وقادر على حماية حدوده وسواحله يمكن أن يشكل عنصرًا في معادلة الردع الإقليمية، خصوصًا في ظل أهمية خليج عدن وباب المندب بالنسبة لحركة التجارة الدولية.
وفي المقابل، فإن هذه الرؤية تفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل الدولة اليمنية وحدود التسوية الممكنة، وحول ما إذا كان المجتمع الدولي سيواصل التعامل مع اليمن باعتباره دولة واحدة ضمن ترتيبات سياسية مركزية، أم أنه سيتعامل بصورة أكبر مع حقيقة التعدد السياسي والعسكري والجغرافي الذي أفرزته سنوات الحرب.
وتأتي هذه النقاشات في ظل استمرار التوتر العسكري وتداعياته الإنسانية، مع انتقال المواجهة إلى مناطق ساحلية وممرات بحرية ذات أهمية استراتيجية، الأمر الذي يجعل أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
ومن هنا يسعى الانتقالي إلى إيصال رسالة مختلفة إلى واشنطن: إن مواجهة الحوثيين، بحسب رؤيته، لا تبدأ وتنتهي بالضربات العسكرية، وإن معالجة جذور الصراع تتطلب الاعتراف بتعدد القوى والمصالح داخل اليمن، وإشراك القوى الجنوبية في صياغة مستقبل البلاد.
كما أن انتقاد ترك إدارة الملف للسعودية بصورة منفردة يعكس خلافًا أوسع حول طبيعة الدور الإقليمي في رسم مستقبل اليمن. فبينما تقود الرياض جانبًا أساسيًا من الترتيبات المتعلقة بالقوى المناهضة للحوثيين، يرى الانتقالي أن واشنطن تمتلك القدرة على جمع الأطراف الإقليمية والمحلية حول إطار أوسع، بدل أن تبقى عملية التسوية رهينة حسابات طرف واحد.
وتكشف تصريحات البيض، في نهاية المطاف، عن محاولة لنقل القضية الجنوبية من موقع الملف السياسي المحلي إلى موقع أكثر ارتباطًا بالأمن الإقليمي والدولي. فالانتقالي يريد أن يقول لواشنطن إن إعادة ترتيب المشهد اليمني لا ينبغي أن تقتصر على وقف إطلاق النار أو احتواء الحوثيين، بل يجب أن تشمل أيضًا معالجة السؤال المتعلق بمن يحكم الجنوب، وكيف تُدار مناطقه، ومن يمتلك القدرة على حماية سواحله وممراته الاستراتيجية.
وبذلك، لا تبدو الرسالة الموجهة إلى واشنطن مجرد دعوة لتغيير تكتيك التعامل مع الحوثيين، وإنما محاولة لإعادة فتح النقاش حول شكل اليمن نفسه، وحدود التسوية السياسية، وموقع الجنوب في أي ترتيبات مستقبلية.
وفي ظل استمرار تعقيدات المشهد اليمني، يبقى السؤال الأكبر أمام القوى الدولية والإقليمية هو ما إذا كانت التسويات المقبلة ستتعامل مع الواقع السياسي والعسكري الذي تشكل خلال سنوات الحرب، أم ستسعى إلى إعادة إنتاج الصيغ القديمة ذاتها.
أما المجلس الانتقالي، فيحاول عبر خطابه الجديد أن يضع قضية الجنوب في قلب هذا النقاش، وأن يقدم استقلال الجنوب أو تقرير مستقبله السياسي باعتباره، من وجهة نظره، جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالأمن والاستقرار وحماية أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

فيديو