مليونيات الجنوب صوت شعب لا يُؤجَّل وقضية تفرض حضورها في الداخل والخارج

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في مشهدٍ يتكرر كلما اشتدت التحولات السياسية وتعاظمت التحديات، يخرج الجنوبيون إلى الساحات حاملين رسائل واضحة لا لبس فيها: أن قضية الجنوب ليست بندًا ثانويًا في أجندة التفاوض، ولا ملفًا قابلًا للتأجيل أو الترحيل، بل عنوانًا رئيسيًا لمعادلة الحاضر والمستقبل. المليونيات التي شهدتها مدن الجنوب في السنوات الأخيرة تحولت إلى ظاهرة سياسية واجتماعية تؤكد أن الحراك الشعبي لم يعد مجرد رد فعل آني، بل تعبيرًا متجذرًا عن إرادة جمعية ترى في استعادة الدولة حقًا تاريخيًا لا يسقط بالتقادم.
في عدن، حيث تختلط رمزية المكان بثقل التاريخ، تتجسد الصورة بأوضح ملامحها. ساحات المدينة تتحول إلى منصات مفتوحة لصوت الشارع، وتغدو الهتافات لغة سياسية موازية لخطابات القاعات المغلقة. لا تقتصر الرسالة على الداخل فحسب، بل تتجاوز الحدود لتصل إلى العواصم الإقليمية والدولية، مفادها أن أي مقاربة للحل لا تضع تطلعات الجنوبيين في صدارة المشهد، ستظل منقوصة وعرضة للاهتزاز.
المليونيات، بما تحمله من زخم جماهيري وتنظيم لافت، تعكس حالة اصطفاف شعبي تتجاوز الانقسامات الضيقة. فالمشاركة الواسعة من مختلف المحافظات تؤكد أن القضية الجنوبية لم تعد شأن نخبة سياسية أو تيار بعينه، بل مطلبًا عامًا يتردد صداه في المكلا كما في عتق، وفي الضالع كما في سيئون. وابين هذا الامتداد الجغرافي يمنح الرسالة قوة مضاعفة، ويجعل من أي محاولة لتهميشها مخاطرة سياسية غير محسوبة.
على الصعيد الداخلي، تحمل هذه الحشود رسالة حاسمة إلى مختلف القوى: أن الشارع الجنوبي يراقب، ويمنح شرعيته لمن يترجم تطلعاته إلى مواقف واضحة وخطوات عملية. كما تشكل ضغطًا متواصلًا باتجاه توحيد الصفوف، وتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، إدراكًا بأن قوة الموقف السياسي تنبع أولًا من تماسك الجبهة الداخلية.
أما خارجيًا، فإن صور الساحات الممتلئة والحشود المليونية تعيد رسم المشهد أمام المجتمع الدولي. فهي تذكير بأن الجنوب ليس تفصيلًا عابرًا في سياق الأزمة اليمنية، بل طرفًا أصيلًا في أي تسوية قادمة. الرسالة هنا مزدوجة: التمسك بالحلول السلمية، وفي الوقت ذاته التأكيد على أن تجاهل الإرادة الشعبية لن يفضي إلى استقرار دائم.
اللافت في هذه المليونيات أنها لا تُقرأ فقط كحدث آني، بل كاستمرار لمسار طويل من الفعاليات والاحتجاجات التي حافظت على زخمها رغم تبدل الظروف. إنها تعبير عن ذاكرة سياسية حية، وعن شعور متجذر بالهوية والانتماء، يتجدد مع كل محطة مفصلية.
في المحصلة، تبدو مليونيات الجنوب أقرب إلى استفتاء شعبي مفتوح، يجدد التأكيد في كل مرة على أن القضية الجنوبية حاضرة بقوة، وأنها لن تُرحَّل إلى هامش الانتظار. وبين الداخل الذي يتلمس ملامح المستقبل، والخارج الذي يعيد حساباته على ضوء المعطيات الجديدة، يظل صوت الساحات عاليًا: الجنوب قضية قائمة بذاتها، وإرادة شعبه لا تقبل التأجيل.

فيديو