حين تتحول القبضة الحديدية إلى وقود للوعي… القمع لا يصنع إلا مقاومة أشد

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في كل مرحلةٍ يشتد فيها الخناق، ويُضيَّق فيها على الأصوات الحرة، يظن أصحاب القرار أن القبضة الحديدية كفيلة بإخماد الحراك وإعادة الأمور إلى ما يريدونه هم، لا ما يريده الناس. غير أن دروس التاريخ، قديمه وحديثه، تؤكد حقيقة ثابتة: القمع لا يُنهي القضايا، بل يؤجل انفجارها، ولا يطفئ المطالب، بل يعيد تشكيلها في صورةٍ أكثر تنظيمًا ووعيًا وإصرارًا.
عندما تُغلَق أبواب التعبير السلمي، وتُقابَل المطالب المشروعة بالاعتقال أو التضييق أو التخوين، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع ليست رسالة قوة بقدر ما هي رسالة خوف. فالسلطة التي تثق بعدالة موقفها لا تخشى الكلمة، ولا ترتعب من لافتة، ولا ترى في التجمع السلمي تهديدًا وجوديًا. أما حين يصبح الرأي تهمة، والمطالبة بالحقوق خروجًا عن الصف، فإن القمع يتحول من أداة ضبط إلى عامل تعبئة.
القمع في جوهره سياسة قصيرة النفس. قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه هدوء هش، يشبه سكون ما قبل العاصفة. فالمجتمعات ليست كتلًا صماء يمكن إعادة تشكيلها بالقوة وحدها، بل هي كيانات حية تتفاعل مع الألم والظلم، وتختزن الذاكرة، وتورّث التجارب من جيل إلى جيل. وكل إجراء تعسفي يراكم في الوجدان الجمعي شعورًا بالغبن، ومع كل واقعة تضييق تتسع دائرة المتعاطفين، حتى يصبح الملف الفردي قضية عامة.
لكن المقاومة التي تولد من رحم القمع ليست بالضرورة اندفاعًا غير محسوب. التجارب الأكثر تأثيرًا أثبتت أن أشد أشكال المقاومة فاعلية هي تلك التي تبني مشروعًا واضحًا، وتنظم صفوفها، وتُحسن إدارة خطابها. فالمقاومة الواعية لا تُختزل في رد فعل، بل تتحول إلى فعل مبادر، يضع أهدافًا محددة، ويبتكر أدوات ضغط سلمية، ويستثمر في القانون والإعلام والرأي العام.
حين يختار الناس الصمود السلمي، فإنهم يسحبون من يد القمع مبرراته. فكلما ارتفع منسوب الانضباط، وابتعد الحراك عن الفوضى، انكشفت هشاشة السياسات التي تعتمد على التخويف. وهنا تتغير المعادلة: بدل أن يكون الشارع في موقع الدفاع، يصبح في موقع المطالبة الأخلاقية، وبدل أن تكون السلطة ممسكة بكل الخيوط، تجد نفسها في مواجهة أسئلة مشروعة لا يمكن إسكاتها إلى الأبد.
المقاومة الأشد ليست بالضرورة الأعلى صوتًا، بل الأعمق أثرًا. هي التي تُراكم الإنجازات الصغيرة، وتبني شبكات تضامن، وتوثق الانتهاكات، وتخاطب الداخل والخارج بلغة الحقوق لا بلغة الكراهية. وهي التي تدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الميدان، بل في الوعي الجمعي، وفي القدرة على تحويل المعاناة إلى قوة دفع نحو التغيير.
كما أن المجتمعات التي تتعرض للضغط تتعلم بسرعة. فمع كل موجة قمع، تتطور أدوات التنظيم، وتزداد الخبرة، وتتسع مساحات التنسيق. وما كان عفويًا في البداية يصبح أكثر احترافًا، وما كان محدودًا في نطاقه يتسع ليشمل شرائح أوسع. وهكذا يتحول الضغط إلى حافز لإعادة التفكير في الاستراتيجيات، وبناء خطاب جامع، وتحديد أولويات واضحة.
إن أخطر ما في سياسة القمع أنها تُفقد الثقة بين الحاكم والمحكوم. وعندما تتآكل الثقة، يصبح أي قرار موضع شك، وأي خطوة موضع ريبة. وفي المقابل، فإن أقوى ما في المقاومة الواعية أنها تعيد صياغة العلاقة على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الخوف والطاعة العمياء. فالمجتمع الذي يطالب بحقوقه بوضوح وثبات يفتح بابًا لحوار حقيقي، حتى وإن طال الطريق.
في نهاية المطاف، لا تسعى الشعوب إلى الصراع لذاته، بل إلى حياة كريمة، وعدالة متكافئة، ومساحة آمنة للتعبير. وكل سياسة تتجاهل هذه الحقائق محكوم عليها بأن تواجه مقاومة أشد، لأن الكرامة ليست مطلبًا عابرًا يمكن التنازل عنه، بل هي جوهر الاستقرار الحقيقي. وعندما تُدرك المجتمعات قوتها في التنظيم والوعي، يصبح القمع عبئًا على أصحابه، لا سيفًا مسلطًا على رقاب الناس.
وهكذا تثبت الأيام أن القبضة الحديدية قد تفرض صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تمنع ولادة وعي جديد، وأن كل ضغط يولد في المقابل إرادة أشد صلابة. فالتاريخ لا يُكتب بالخوف، بل بإصرار من يرفضون أن تكون كرامتهم بندًا قابلًا للتفاوض.

فيديو