حين تحلّ الأزمات بالإغلاق.. عدن تكتشف عبقرية “إطفاء الحريق بالبنزين”

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن، عين الجنوب || خاص

 في خطوةٍ تكاد تُدرّس – ولكن على طريقة “كيف لا تُدار الأزمات” – قررت السلطة المحلية في عدن إغلاق ورش تحويل السيارات للعمل بالغاز، وكأن المشكلة كانت في “زيادة الحلول” لا في غياب الغاز نفسه. قرارٌ جاء بعد ثلاثة أشهر من أزمة خانقة، ليؤكد للمواطنين أن الإبداع الرسمي لا حدود له… خاصة عندما يتعلق الأمر بتعقيد ما هو معقّد أصلًا.
القرار، الصادر بتوجيهات المحافظ عبدالرحمن شيخ، حمل عنوان “تنظيم استخدام الغاز”، لكنه في الواقع بدا وكأنه تنظيم لمعاناة الناس، وضبطٌ لإيقاع أزماتهم اليومية. فبدلاً من البحث عن الغاز المفقود، جرى البحث عن المواطنين الذين وجدوا بديلًا، ثم إغلاق هذا البديل بكل حزم… حتى لا تختل “منظومة الأزمة”.
المواطن العدني، الذي لجأ إلى الغاز هربًا من أسعار الوقود الملتهبة، وجد نفسه فجأة متهمًا ضمنيًا بأنه جزء من المشكلة، لا ضحية لها. وهكذا، تحوّل الحل الشعبي البسيط إلى “مخالفة” تستحق الإغلاق، بينما بقيت الأزمة الأصلية في مكانها، آمنة مطمئنة، لا يزعجها أحد.
وفي الشارع، لم يحتج الناس إلى كثير من التحليل لفهم الرسالة: إذا لم تستطع السلطة توفير الخدمة، فهي على الأقل قادرة على منعك من التأقلم معها. معادلة بسيطة، لكنها فعّالة في زيادة الاحتقان، وإثبات أن المواطن دائمًا هو الحلقة الأسهل للاستهداف.
أما الحديث عن الفساد والاختلالات، فهو فصلٌ آخر من الحكاية. فالمحافظ، الذي يُفترض أنه يعرف دهاليز هذه الملفات جيدًا، اختار – على ما يبدو – أن يبدأ “الإصلاح” من ورش صغيرة، تاركًا الملفات الكبيرة في وضع “الانتظار الاستراتيجي”، ربما حتى إشعار آخر… أو حتى إشعار لا يأتي.
وفي خلفية المشهد، تستمر عدن في تقديم عرض يومي للأزمات: كهرباء غائبة، مياه شحيحة، صرف صحي حاضر بقوة في الشوارع، وأسعار ترتفع بثقة دون منافس. أما الغاز، فقد أصبح قصة نادرة، يُروى عنها أكثر مما تُرى.
اللافت أكثر هو الغياب شبه الكامل للرقابة التموينية، حيث تُترك الأسواق لخيال التجار، يبدعون في التسعير كما يشاؤون، دون خوف من لجنة أو زيارة مفاجئة. يبدو أن “الانضباط” مطلوب فقط من ورش التحويل… لا من بقية الفوضى.
في النهاية، قد لا يحل هذا القرار أزمة الغاز، لكنه بالتأكيد نجح في تحقيق إنجاز مهم: إضافة عبء جديد على كاهل المواطن، وإقناعه بأن القادم قد يكون أكثر “إبداعًا”. ففي عدن اليوم، لا تُحل الأزمات… بل يُعاد تدويرها بقرارات تجعلها أكثر طرافة، إن لم تكن أكثر إيلامًا.

فيديو