الشرعية المعلقة بين الخارج والداخل.. سلطة بلا أرض وشعب يبحث عن دولة

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن.عين الجنوب | خاص       

لم تعد كلمة “الشرعية” مجرد توصيف سياسي لحكومة معترف بها دولياً، بل تحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أكثر المفاهيم إثارة للجدل والانقسام، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين الاعتراف الخارجي والواقع الداخلي الذي يعيشه المواطن يومياً. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، يجد الناس أنفسهم أمام سلطة تحمل صفة الشرعية في المحافل الدولية، لكنها عاجزة عن ترسيخ حضور فعلي على الأرض أو إقناع الشارع بأنها ما زالت تمثل تطلعاته وهمومه.
ومع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، تتزايد الأسئلة حول معنى الشرعية الحقيقي، وهل يكفي الاعتراف الدولي لبقاء أي حكومة، أم أن الشرعية تُقاس بقدرة السلطة على حماية الناس وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟ فالمواطن الذي يعيش ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وانهيار العملة، وغياب المرتبات والخدمات، لم يعد ينظر إلى البيانات السياسية أو القرارات الأممية بقدر ما ينظر إلى واقعه اليومي الذي يزداد قسوة عاماً بعد آخر.
ويرى مراقبون أن الأزمة اليمنية كشفت عن انفصال غير مسبوق بين مفهوم الشرعية السياسي وبين الممارسة الواقعية للحكم، إذ تحولت الحكومة المعترف بها دولياً إلى سلطة تُدار في معظم تفاصيلها من خارج البلاد، بينما بقي الداخل غارقاً في الأزمات الأمنية والمعيشية والاقتصادية. هذا الوضع خلق حالة من التآكل التدريجي في الرصيد الشعبي لهذه السلطة، خصوصاً مع شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن المسؤولين يعيشون بعيداً عن معاناتهم اليومية، وأن القرارات تُتخذ في العواصم الخارجية أكثر مما تُصنع داخل البلد نفسه.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه الثقة الشعبية، يبرز سؤال آخر أكثر تعقيداً يتعلق بسبب استمرار تمسك التحالف العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، بهذه الشرعية رغم كل ما تواجهه من انتقادات وإخفاقات. وتبدو الإجابة مرتبطة بحسابات سياسية وقانونية تتجاوز الأداء الحكومي نفسه، فوجود سلطة معترف بها دولياً يمنح الغطاء القانوني لأي تدخل أو تحرك إقليمي سعودي اودولي كما يشكل حاجزاً أمام منح الاعتراف الكامل لسلطات الأمر الواقع الموجودة في صنعاء أو غيرها.
كما أن القوى الإقليمية لا تزال بحاجة إلى واجهة سياسية رسمية نابعه من الارض تستطيع التوقيع على الاتفاقات والتفاهمات المستقبلية المتعلقة بالسلام أو الترتيبات الأمنية والاقتصادية، وهو ما يجعل بقاء هذه الشرعية ضرورة سياسية حتى وإن كانت تعاني من ضعف داخلي واضح. ولهذا يرى كثير من المتابعين أن الشرعية تعيش اليوم حالة مزدوجة؛ فهي قوية باعتراف المجتمع الدولي، لكنها ضعيفة في اختبار الواقع والخدمات والسيادة الفعلية.
ويؤكد محللون أن الشرعية الحقيقية لا تُبنى فقط عبر القرارات الدولية أو الاعتراف الخارجي، بل عبر الحضور بين الناس والتاثير الشعبي والقدرة على إدارة الدولة وتحقيق الاستقرار. فالدولة في النهاية ليست مجرد اسم أو مقعد في الأمم المتحدة، وإنما علاقة يومية بين السلطة والمجتمع تقوم على الثقة والقدرة على الإنجاز. وعندما تغيب هذه العلاقة، تبدأ الشرعية بفقدان معناها السياسي والأخلاقي مهما استمرت مظلة الاعتراف الدولي.
ومع دخول الحرب عامها الحادي عشر، تبدو الاوضاع أمام مشهد شديد التعقيد، حيث تتصارع المرجعيات السياسية مع الوقائع العسكرية والاقتصادية، بينما يبقى المواطن هو الطرف الأكثر دفعاً للكلفة. وبين سلطة تبحث عن البقاء، وقوى إقليمية تدير توازنات المصالح، وشعب يرزح تحت الأزمات، تتشكل معادلة جديدة تعيد تعريف مفهوم الشرعية ذاته، ليس باعتباره وثيقة سياسية فحسب، بل باعتباره قدرة حقيقية على تمثيل الناس والعيش بينهم وصناعة دولة يشعر المواطن بأنها موجودة من أجله لا مجرد عنوان يُستخدم في الخطابات والاتفاقات الدولية.

فيديو