رهانات النفوذ السعودي تتساقط.. والجنوب العربي يفرض معادلة الصمود

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن، عين الجنوب خاص

منذ سنوات طويلة، تحاول المملكة العربية السعودية أن ترسم ملامح المشهد السياسي في المنطقة العربية وفق رؤيتها الخاصة، مستندة إلى الثقل المالي والنفوذ السياسي والتحالفات الإقليمية. غير أن الوقائع المتلاحقة كشفت أن كثيراً من المشاريع والسياسات التي اندفعت الرياض نحو فرضها على الأرض انتهت إلى نتائج معاكسة تماماً لما كانت تخطط له، الأمر الذي فتح باب التساؤلات الواسعة حول جدوى هذه السياسات، وحول قدرتها الفعلية على إدارة الملفات المعقدة في المنطقة.
في الخليج العربي، سعت السعودية لسنوات إلى تكريس نفسها بوصفها القائد الأوحد وصاحب القرار الأول في محيطها الخليجي، لكن هذا التوجه خلق حساسيات سياسية وتباينات متزايدة بين دول المنطقة، وأدى في أحيان كثيرة إلى تصدع الثقة وظهور مواقف خليجية أكثر استقلالية في القرار السياسي والاقتصادي. ومع مرور الوقت، بدا واضحاً أن سياسة فرض الإرادة لا يمكن أن تصنع استقراراً دائماً، ولا أن تنتج شراكات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل.
أما في اليمن، فقد دخلت السعودية الحرب تحت شعارات كبرى، معلنة أن هدفها إنهاء انقلاب جماعة الحوثي وإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري. لكن السنوات مرت، والنتيجة كانت تعقيداً أكبر للمشهد، واتساعاً لنفوذ الحوثيين، حتى باتوا أكثر حضوراً وقوة مقارنة بما كانوا عليه في بدايات الحرب. وبينما كانت الرياض تتحدث عن الحسم، كانت الوقائع على الأرض تتجه نحو مسارات مختلفة تماماً، ما جعل كثيرين يرون أن السياسة السعودية في اليمن تحولت من مشروع للحسم إلى حالة استنزاف طويلة أرهقت الجميع دون تحقيق الأهداف المعلنة.
وفي الجنوب العربي، تكررت القصة ذاتها بصورة مختلفة. فحين برز عيدروس الزبيدي بوصفه رمزاً سياسياً وعسكرياً لقضية الجنوب، حاولت أطراف عديدة التقليل من حضوره أو احتوائه أو إضعاف مشروعه السياسي، غير أن الأحداث المتلاحقة أظهرت أن الرجل استطاع أن يتحول إلى رقم صعب في المعادلة اليمنية والإقليمية. فالرجل الذي خرج من ميادين القتال ومن جبال الجنوب، ولم يصنعه ترف الفنادق ولا دهاليز الصفقات السياسية، نجح في بناء حالة شعبية واسعة تستند إلى قضية وهوية وتاريخ طويل من التضحيات.
ويرى كثير من الجنوبيين أن محاولات الضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي لم تؤدِّ إلا إلى زيادة الالتفاف الشعبي حوله، لأن الناس باتوا ينظرون إلى أي استهداف سياسي أو اقتصادي أو إعلامي على أنه استهداف مباشر لقضيتهم الوطنية. فكلما اشتدت الضغوط، ازداد الإصرار الشعبي على التمسك بالمشروع الجنوبي، باعتباره بالنسبة لكثيرين مشروع استعادة كرامة وهوية وقرار سياسي مستقل.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، لم يعد الشارع الجنوبي يتعامل مع الأحداث بعفوية أو بعاطفة مؤقتة، بل أصبح يمتلك وعياً سياسياً متراكماً يجعله أكثر قدرة على قراءة المشهد وفهم طبيعة التحالفات والصراعات. ولهذا، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج الوصاية أو فرض حلول تتجاوز الإرادة الجنوبية تبدو ــ في نظر كثير من أبناء الجنوب ــ محكومة بالفشل مسبقاً، لأن الواقع تغيّر، ولأن المعادلات القديمة لم تعد صالحة كما كانت في السابق.
اللافت أن حالة التماسك الشعبي في الجنوب لم تعد مرتبطة فقط بالشعارات السياسية، بل أصبحت مرتبطة بإحساس عام بأن الجنوب يخوض معركة وجود وهوية وسيادة. وهذا ما يفسر حجم الحساسية الشعبية تجاه أي تحركات أو سياسات يُنظر إليها باعتبارها محاولة لتهميش القضية الجنوبية أو الالتفاف عليها تحت أي مسمى كان.
ومع كل مرحلة جديدة، يزداد اقتناع قطاعات واسعة من الجنوبيين بأن زمن الهيمنة السياسية قد انتهى، وأن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة وقدمت آلاف التضحيات لم تعد مستعدة للعودة إلى مربع التبعية أو القبول بأن تُدار قضاياها من خارج إرادتها الوطنية. ولهذا، فإن الجنوب العربي اليوم يبدو أكثر تمسكاً بخياراته السياسية، وأكثر إصراراً على أن يكون شريكاً كاملاً في رسم مستقبله، لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو تنفيذ المشاريع الإقليمية.
وفي النهاية، تؤكد التطورات أن السياسة التي تقوم على فرض النفوذ وإقصاء إرادة الشعوب غالباً ما تنتهي إلى نتائج عكسية، وأن قوة المال والتحالفات لا تكفي وحدها لصناعة النفوذ الدائم إذا غابت هو تدخل مرحلة جديدة تتغير فيها موازين التأثير، ويصبح فيها صوت الشعوب أكثر حضوراً من أي وقت مضى، فيما يواصل الجنوب العربي تثبيت نفسه كلاعب سياسي لا يمكن تجاهله في أي معادلة قادمة.

فيديو