33 مليار دولار في مواجهة إيران.. فاتورة الحرب الأمريكية تكشف كلفة التصعيد واستنزاف الترسانة

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب ||خاص                  
تكشف الأرقام الأولية المعلنة بشأن كلفة الحرب الأمريكية مع إيران عن فاتورة عسكرية واقتصادية ضخمة، تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات خلال أشهر قليلة، في وقت برزت فيه مؤشرات على ضغوط متزايدة على مخزونات الذخيرة وسلاسل الإنتاج الدفاعي الأمريكية، بما يفتح نقاشًا أوسع حول قدرة الولايات المتحدة على خوض حروب طويلة ومتزامنة في أكثر من جبهة.
وبحسب أول حصر رسمي من هذا النوع، بلغت التكلفة التقديرية للعملية العسكرية الأمريكية المسماة «الغضب الملحمي» نحو 33.4 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير حتى 30 يونيو 2026. ويظهر حجم الإنفاق على الذخائر باعتباره أحد أبرز بنود هذه الفاتورة، بعدما وصلت قيمتها إلى نحو 22.3 مليار دولار، في مؤشر على الكميات الكبيرة من الصواريخ والقنابل والذخائر التي استُهلكت خلال العمليات.
ولا تتوقف دلالة هذه الأرقام عند حجم الإنفاق المالي، إذ أشار التقرير إلى أن الاستهلاك المكثف للذخائر أدى إلى تراجع في بعض المخزونات الاستراتيجية، بالتزامن مع ظهور اختناقات في القدرة الصناعية على تعويض ما تم استخدامه بالسرعة المطلوبة.
هذه المعطيات تضع الصناعات الدفاعية الأمريكية أمام اختبار صعب، خصوصًا أن إعادة بناء المخزونات لا ترتبط بالمال وحده، وإنما تحتاج إلى خطوط إنتاج ومواد خام وسلاسل توريد ووقت كافٍ لإعادة ملء المستودعات بالمستويات المطلوبة.
وتزداد حساسية المسألة عندما تتزامن الحرب مع احتمال وجود أزمات عسكرية أخرى قد تستدعي استخدامًا واسعًا للترسانة الأمريكية. فالنقاش داخل الأوساط الاستراتيجية لم يعد يدور فقط حول امتلاك الولايات المتحدة أسلحة متطورة، وإنما حول قدرتها على الحفاظ على تدفق الذخائر لفترة طويلة إذا اضطرت إلى خوض حرب كبيرة وممتدة.
وفي هذا السياق، برزت تقديرات عسكرية واستراتيجية تشير إلى أن الولايات المتحدة تستطيع توفير احتياجات حرب محدودة نسبيًا ضد إيران، لكن التحدي الأكبر يتمثل في سيناريو حرب طويلة أو حرب متزامنة مع خصم كبير مثل الصين. ويتركز القلق تحديدًا على قدرة القاعدة الصناعية الأمريكية على إنتاج الذخائر بالمعدلات التي تستهلكها العمليات العسكرية واسعة النطاق.
ولا تقتصر تكلفة الحرب على الذخائر. فقد سجلت العمليات خسائر وأضرارًا في عدد من الأصول العسكرية الأمريكية، شملت تدمير أربع طائرات من طراز F-15، وإصابة طائرة F-35، إضافة إلى أضرار لحقت بسبع طائرات للتزود بالوقود من طراز KC-135، فضلًا عن تدمير ما يصل إلى 30 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 Reaper.
وتشير هذه الخسائر إلى أن الحرب لم تكن مجرد عملية جوية منخفضة التكلفة، بل فرضت على القوات الأمريكية استهلاكًا كبيرًا للقدرات القتالية، سواء في الطائرات المقاتلة أو الطائرات المسيرة أو طائرات الدعم والإمداد الجوي.
كما امتدت آثار المواجهة إلى شبكة واسعة من القواعد والمنشآت الأمريكية في المنطقة. فقد تعرضت مئات المباني والمنشآت في قواعد أمريكية موزعة بين الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والعراق وعُمان والأردن لأضرار متفاوتة، فيما لم تدخل جميع تكاليف إعادة البناء ضمن التقدير الأساسي للفترة نفسها، بسبب استمرار تقييم الأضرار وعدم حسم مصير بعض المنشآت المتضررة.
وتكشف هذه النقطة تحديدًا أن فاتورة الحرب المعلنة قد لا تكون نهائية، إذ يمكن أن ترتفع لاحقًا مع احتساب تكاليف إصلاح المنشآت العسكرية وإعادة بناء المواقع المتضررة وتعويض المعدات المدمرة أو المتضررة.
وفي جانب آخر من التداعيات، أنفقت الولايات المتحدة نحو 79.2 مليون دولار على الاستجابة للطوارئ المرتبطة بالنزاع، بما في ذلك عمليات إجلاء موظفين وأفراد أسر ومواطنين أمريكيين وأشخاص من جنسيات أخرى كانوا مؤهلين للإجلاء.
كما بلغت الأضرار التي لحقت بالمنشآت الدبلوماسية الأمريكية في العراق والكويت والسعودية والإمارات نحو 184 مليون دولار، ما يضيف بندًا آخر إلى فاتورة الحرب، بعيدًا عن النفقات المباشرة للعمليات العسكرية.
ومع اتساع نطاق الأرقام، عاد الجدل داخل الولايات المتحدة حول حقيقة وضع المخزونات العسكرية. ففي الوقت الذي قلل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا من المخاوف المتعلقة بنقص الأسلحة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات إنتاجية عسكرية كبيرة، جاءت الدعوات داخل المؤسسة الدفاعية إلى تسريع إنتاج الذخائر لتشير إلى وجود حاجة فعلية لتعزيز معدلات التصنيع.
وقد دفع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قطاع الصناعات الدفاعية إلى زيادة إنتاج الأسلحة، في محاولة لمعالجة الفجوة بين سرعة الاستهلاك العسكري وسرعة تعويض المخزونات.
وتكشف هذه التطورات عن معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد امتلاك الولايات المتحدة أكبر ترسانة عسكرية في العالم؛ فالحروب الحديثة تستهلك الذخائر بوتيرة قد تتجاوز قدرة المصانع على تعويضها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأسلحة الدقيقة والصواريخ المتقدمة والأنظمة التي تحتاج إلى مكونات وسلاسل إمداد متخصصة.
ومن هنا تبرز أهمية ما وصفه أحد مسؤولي قطاع الصواريخ في شركة لوكهيد مارتن بأنه حاجة إلى «الفوضى المنظمة»، في إشارة إلى ضرورة التحرك السريع وإزالة العقبات التي تعرقل رفع الإنتاج.
وفي المقابل، نفت وزارة الدفاع الأمريكية وجود أزمة حادة في الذخائر، ما يعكس وجود تباين بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد امتلاك القدرات اللازمة، وبين التحذيرات المتزايدة من أن استمرار حرب طويلة أو اندلاع مواجهة أخرى واسعة النطاق يمكن أن يفرض ضغوطًا أكبر على المخزونات.
وتتجاوز أهمية هذه القضية الحدود الأمريكية، لأن انعكاساتها ترتبط بصورة مباشرة بالتوازنات العسكرية في الشرق الأوسط. فكلما ارتفعت تكلفة العمليات الأمريكية واتسع استهلاك الذخائر، أصبحت إدارة الانتشار العسكري في المنطقة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تعدد بؤر التوتر ووجود تهديدات متزامنة للممرات البحرية والقواعد والمنشآت الحيوية.
وفي منطقة البحر الأحمر تحديدًا، تكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية مع استمرار المخاطر المرتبطة بالملاحة الدولية ومضيق باب المندب، إذ إن أي تصعيد جديد في المنطقة قد يفرض على القوى الدولية حسابات إضافية تتعلق بحجم القوات المطلوبة، ونوعية الأسلحة المستخدمة، ومدة الانتشار، وكلفة حماية خطوط الملاحة.
وبذلك، فإن الرقم البالغ 33.4 مليار دولار لا يمثل مجرد فاتورة مالية لحرب واحدة، بل يقدم صورة أولية عن الثمن الذي يمكن أن تدفعه القوة العسكرية الكبرى عندما تدخل مواجهة عالية الكثافة. والأهم أن 22.3 مليار دولار من هذه التكلفة ذهبت إلى الذخائر وحدها، ما يسلط الضوء على عنصر غالبًا ما يكون أقل ظهورًا من الطائرات والصواريخ في المشهد الإعلامي: قدرة الدولة على الاستمرار في إنتاج ما تستهلكه الحرب.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، يبقى السؤال الأكبر متعلقًا بمدى قدرة واشنطن على الحفاظ على مخزوناتها الاستراتيجية، وإعادة بناء ما استُهلك من الأسلحة، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بقدرة كافية للتعامل مع أزمات أو صراعات أخرى قد تفرض نفسها على الساحة الدولية.
فالحرب الحديثة لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ الموجودة في الترسانة، وإنما أيضًا بسرعة تعويض الخسائر، وقدرة المصانع على العمل تحت الضغط، وحجم الأموال المطلوبة للحفاظ على وتيرة العمليات، ومدى قدرة الاقتصاد والصناعة على تحمل حرب طويلة دون استنزاف المخزون الاستراتيجي.
وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية امتلاكها قدرات عسكرية وإنتاجية ضخمة، فإن الأرقام الجديدة تضع أمام صانعي القرار حقيقة أكثر تعقيدًا: الحرب الطويلة ليست اختبارًا للقوة النارية فقط، بل اختبار لقدرة الدولة على تمويل الحرب وإنتاج أسلحتها وتعويض خسائرها والحفاظ على جاهزيتها لصراعات أخرى محتملة.

فيديو