الجنوب يرفض وصاية الخارج ويتمسك بحقه في القرار وإرادة أبنائه

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب ||خاص:
في ظل التحولات السياسيه المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، يعود ملف الجنوب إلى واجهة المشهد باعتباره واحدة من أكثر القضايا حضورًا في النقاشات السياسية والشعبية. وبينما تتعدد المبادرات والضغوط والتحركات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل اليمن، تتصاعد في المقابل أصوات جنوبية تؤكد أن أي ترتيبات سياسية لا يمكن أن تتجاهل إرادة أبناء الجنوب أو تتجاوز حقهم في المشاركة الفعلية في تحديد مستقبلهم.
ويرى سياسيون وناشطون جنوبيون أن السنوات الماضية أظهرت بوضوح أن فرض الحلول من خارج الجنوب لم يؤدِّ إلى معالجة جذور الأزمة، بل أسهم في تعقيدها وإبقاء حالة عدم الاستقرار السياسي قائمة. ولذلك، باتت مسألة القرار الجنوبي المستقل وإشراك أبناء الجنوب في صياغة أي تسوية سياسية من القضايا التي تحظى باهتمام واسع في الخطاب الجنوبي.
وتبرز في هذا السياق مطالب برفض ما يوصف بأنه "وصاية خارجية"، ليس بمعنى رفض الدور الإقليمي والدولي في دعم الاستقرار، وإنما رفض أن تتحول المساندة السياسية أو الأمنية إلى وسيلة لفرض خيارات لا تحظى بتوافق أو قبول لدى أبناء الجنوب. فالمعادلة التي يطرحها الشارع الجنوبي تقوم على أن الشراكة مع الأطراف الإقليمية والدولية يمكن أن تكون مقبولة عندما تقوم على الاحترام المتبادل، لكنها تصبح موضع اعتراض عندما تتجاوز إرادة السكان أو تحدد مستقبل مناطقهم دون مشاركتهم.
وتزداد حساسية هذه المسألة مع استمرار النقاش حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية سياسية شاملة. فبالنسبة لقطاعات واسعة من الجنوبيين، لم تعد القضية مجرد خلاف على توزيع المناصب أو التمثيل داخل المؤسسات، وإنما ترتبط بمسألة الهوية السياسية وحق المجتمع الجنوبي في التعبير عن تطلعاته وتحديد المسار الذي يراه مناسبًا لمستقبله.
وفي المقابل، تؤكد أطراف يمنية وإقليمية أن معالجة القضية الجنوبية ينبغي أن تتم ضمن تسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدة المسار التفاوضي وتمنع مزيدًا من التشظي. وهذا الطرح يعكس استمرار الخلاف حول طبيعة الحل النهائي، خصوصًا في ظل تعدد القوى والمشاريع السياسية وتباين رؤيتها لشكل الدولة ومستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب.
لكن جوهر الإشكال، كما يراه الخطاب الجنوبي، يكمن في سؤال أساسي: من يملك حق تحديد مستقبل الجنوب؟ وهل يمكن لأي تسوية سياسية أن تكون مستقرة إذا لم تأخذ في الاعتبار مواقف أبناء الجنوب وقواهم السياسية والاجتماعية؟
هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة مع كل مبادرة جديدة أو تحرك دبلوماسي يتناول مستقبل اليمن. فالتجارب السابقة أظهرت أن تجاهل الملفات الجوهرية لا يؤدي إلى اختفائها، بل يؤجل انفجارها السياسي والاجتماعي. ومن هنا، فإن إشراك القوى الجنوبية والمجتمع الجنوبي في أي ترتيبات مقبلة يصبح عنصرًا مهمًا في اختبار مدى قابلية أي تسوية للاستمرار.
كما أن الشارع الجنوبي بات أكثر حساسية تجاه أي ترتيبات يُنظر إليها باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج مراكز القرار نفسها التي أدت، بحسب منتقدين جنوبيين، إلى تهميش مطالب الجنوب خلال مراحل سابقة. ولذلك، تتكرر الدعوات إلى أن يكون القرار السياسي المتعلق بمستقبل الجنوب قائمًا على إرادة أبنائه، لا على تفاهمات مغلقة لا يعرف تفاصيلها الجمهور ولا يشارك في صياغتها.
وفي هذا الإطار، لا ينحصر مطلب القرار الجنوبي في الجانب السياسي وحده، بل يمتد إلى قضايا الأمن والموارد والإدارة المحلية والتمثيل السياسي والحقوق الاقتصادية. إذ يرى مؤيدو هذا التوجه أن امتلاك القرار المحلي يمثل شرطًا أساسيًا لمعالجة الأزمات المتراكمة، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية الصعبة التي تعيشها مناطق الجنوب.
وتبقى القضية الجنوبية، في نهاية المطاف، مرتبطة بإرادة ملايين اليمنيين في الجنوب وبقدرتهم على التعبير عن خياراتهم بصورة سياسية وسلمية. وأيًا كان شكل التسوية التي ستصل إليها الأطراف، فإن استدامتها ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية حقيقية، لا مجرد ملف ثانوي يمكن تجاوزه في المفاوضات.
وبين تعدد المبادرات وتضارب المصالح الإقليمية والدولية، يبرز مطلب جنوبي واضح في الخطاب السياسي والشعبي: أن يكون أبناء الجنوب طرفًا أصيلًا في تقرير مستقبلهم، وأن تقوم أي تسوية على الشراكة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن فرض الوصاية أو اتخاذ قرارات مصيرية نيابة عنهم.
فالجنوب، وفق هذا الطرح، لا يرفض الحوار ولا التعاون مع محيطه، لكنه يتمسك بأن يكون الحوار قائمًا على الندية، وأن تكون إرادة أبنائه جزءًا أساسيًا من أي معادلة سياسية قادمة. وفي ظل استمرار الأزمة اليمنية وتعقيداتها، قد يكون الاعتراف بهذه الحقيقة مدخلًا ضروريًا لأي تسوية تسعى إلى تحقيق استقرار سياسي طويل الامد

فيديو