طوفان الأقصى" القشّة التي قصمت ظهر الضفة وغزة

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب | حفريات


لتحقيق أهداف أي جهة سياسية أو مقاومة، لا بد من دراسة دقيقة للمحيطين الداخلي والخارجي، وهو ما لم تتعامل معه حركة حماس بالجدية المطلوبة. فلو نظرنا إلى تركيبة حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، لوجدنا أنها تمثل نموذجًا واضحًا لتيار صهيوني ديني متطرف، ما يجعل اختيار يوم السابع من أكتوبر لانطلاق عملية “طوفان الأقصى” قرارًا لا يستند إلى حسابات إستراتيجية دقيقة، بل إلى رد فعل غير محسوب في توقيت بالغ الحساسية. فالهجمة الاستيطانية التي نشهدها اليوم في الضفة الغربية، والتي تصاعدت بشكل ملحوظ بعد ذلك التاريخ، تؤكد أن حكومة نتنياهو اتخذت من السابع من أكتوبر ذريعة لتسريع تنفيذ مخططاتها القديمة، وعلى رأسها تهويد الضفة الغربية والقدس.


آخر التصريحات الصادرة عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، بشأن إعادة نشر المستوطنين في المستوطنات المخلاة بمحيط جنين، تكشف بوضوح نوايا الحكومة الإسرائيلية، حيث قال “تجب العودة إلى هذه المناطق حتى نقطع الطريق أمام قيام دولة فلسطينية.” هذا التصريح لا يأتي من فراغ، بل يعكس توجهًا سياسيًا متكاملًا يستغل اللحظة لتكريس واقع استيطاني جديد، في ظل غياب أي رادع دولي فعّال.

قبل السابع من أكتوبر كانت هناك ضوابط أممية تحدّ من تمدد الاستيطان، وتفرض قيودًا على سلوك المستوطنين، خصوصًا في محيط القدس والمسجد الأقصى. لكن بعد العملية انفلت المستوطنون من عقالهم، وبدأوا في تنفيذ اعتداءات ممنهجة على الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف أنحاء الضفة الغربية، كان آخرها إطلاق النار على مواطن فلسطيني في قرية أم الخير شرق يطا، في مشهد تم تحت أنظار العالم دون أي تدخل أو إدانة فعالة.

العملية التي أطلقتها حركة حماس تحت اسم “طوفان الأقصى” قبل نحو عامين، جاءت بشعارات الدفاع عن القدس والأقصى والأسرى، لكن ما حدث بعد ساعات من انطلاقها كان حصارًا إسرائيليًا مشددًا على المسجد الأقصى، وتضييقًا على المصلين، وتحديدًا لأعدادهم، وفرضًا للقيود على سكان البلدة القديمة. أما على صعيد الأسرى، فقد تضاعف عددهم بشكل غير مسبوق، إذ ارتفع من أربعة آلاف إلى ما يقارب خمسة عشر ألفًا، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى العملية وما تحقق من شعاراتها.

في قطاع غزة المشهد أكثر مأساوية، حيث تتواصل عمليات القتل والتجويع وهدم البيوت، وسط حصار خانق وموت بطيء. وفي ظل هذا الواقع، تبحث حركة حماس عن مخرج سياسي يضمن لها البقاء في الحكم، فتطرح مطالب بخروج إسرائيل الكامل من القطاع، دون أن تحقق أهدافها المعلنة في تحرير الأسرى أو ضمان حرية العبادة في الأقصى. في المقابل تدفع إسرائيل والولايات المتحدة ومعظم الأطراف الدولية باتجاه تنحي حماس عن إدارة غزة، وتسليمها لجهات دولية تمهيدًا لإعادتها إلى السلطة الوطنية الفلسطينية. لكن نتنياهو يصر على البقاء في غزة، إرضاءً لليمين الصهيوني، وسعيًا لإعادة ترتيب القطاع أمنيًا بما يضمن عدم تحوّله إلى تهديد مستقبلي لأمن إسرائيل، وفقًا لتوصيفات المستوى السياسي والأمني الإسرائيلي.

الواضح أن الأمور تتجه نحو المزيد من التصعيد، وكأن شرارة “طوفان الأقصى” كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. فالهجمة الاستيطانية في الضفة الغربية، والحصار الخانق في غزة، لم يكونا مجرد ردود فعل، بل تنفيذًا لمخطط قديم رسمت ملامحه في غرف مغلقة داخل إسرائيل، وجاءت اللحظة المناسبة لتطبيقه بكل تفاصيله. ما كان يُتداول سابقًا عن نوايا الضم والتهويد وإعادة رسم خارطة القطاع، يتحقق اليوم على الأرض دون مواربة.

في ظل هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه: ما هو المخرج من هذه الورطة؟ كيف يمكن للشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وغزة أن يعود إلى ما قبل السابع من أكتوبر؟ رغم بعض المؤشرات الإيجابية من أوروبا، ونية بعض دولها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإن حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة تقف بالمرصاد، ضاربة بكل الاتفاقيات الدولية عرض الحائط، بما فيها تلك التي أفضت سابقًا إلى إخلاء مستوطنات بموجب تفاهمات مع السلطة الوطنية وبرعاية أممية.

المسألة في جوهرها لا تتعلق فقط بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على الورق، بل بمدى قدرة المجتمع الدولي على إجبار إسرائيل على تفكيك المستوطنات العشوائية، والجلوس إلى طاولة المفاوضات لإنهاء الاحتلال في الضفة الغربية، والخروج من قطاع غزة. أما إذا استمر العالم في الوقوف صامتًا أمام ما يجري، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيبقى حبرًا على ورق، بلا أثر فعلي، وبلا أمل حقيقي في قيام دولة ذات سيادة على الأرض.

فيديو