عشر سنوات من الصبر… حين اكتشف الجنوب أن الكرامة ليست وجهة نظر

تقارير - منذ يومان

خاص||عين الجنوب     

على مدى عشر سنوات، اختار الجنوب طريق الصبر الاستراتيجي، لا بوصفه حالة عجز أو ضعف، بل باعتباره سلوكًا سياسيًا واعيًا يهدف إلى تجنيب المنطقة مزيدًا من الصراعات، وفتح المجال أمام شراكة حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل. خلال هذه السنوات، قدّم المجلس الانتقالي الجنوبي، مدعومًا بإرادة شعبية واسعة، تنازلات متتالية وحسن نوايا غير مشروطة، واضعًا الاستقرار فوق الحسابات الآنية، ومراهنًا على أن الشركاء في التحالف سيلتزمون بما تعهدوا به سياسيًا وأخلاقيًا.
غير أن الوقائع على الأرض أظهرت مسارًا مغايرًا تمامًا. فمنذ عام 2019، فُتحت عدن وسقطرى أمام القوات السعودية في إطار تفاهمات قائمة على الثقة، لكن هذه الثقة لم تُقابل بمشروع بناء أو دعم مؤسسات الدولة، بل بسلسلة من الإجراءات التي انعكست مباشرة على حياة المواطنين. قطع الرواتب، تدهور الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية، تحولت من أزمات طارئة إلى أدوات ضغط سياسي، في محاولة واضحة لفرض تنازلات أكبر على القيادة الجنوبية.
ستة أشهر كاملة مرت والقوات الجنوبية بلا رواتب، في مشهد اعتبره مراقبون سابقة خطيرة، حيث استُخدمت لقمة العيش كسلاح سياسي، لا لاعتبارات اقتصادية حقيقية، بل لإخضاع القرار الجنوبي وكسر إرادة مؤسساته. ومع الوقت، بات واضحًا أن التحالف لا يدير مسار استقرار، بل يدير صراعًا طويل الأمد، هدفه إبقاء الجنوب في حالة تجميد سياسي وعسكري، بانتظار تسويات إقليمية لا تضع القضية الجنوبية ضمن أولوياتها.
في هذا السياق، تحمّل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، كلفة سياسية عالية في سبيل الحفاظ على مسار السلم. وافق على ترتيبات لم تكن تحظى بقبول شعبي واسع، وقَبِل بشراكات مع أطراف ذات مواقف معروفة تجاه الجنوب، ووافق على إعادة تموضع القوات، وتعاطى بإيجابية مع تشكيلات عسكرية جديدة على أساس ضمان هويتها الجنوبية. إلا أن هذه المرونة قوبلت بلغة مختلفة، قائمة على الإملاءات والتهديد غير المعلن، مفادها أن سقف التنازلات يجب أن يصل حد التخلي عن جوهر القضية.
تزامن ذلك مع تحركات ميدانية وسياسية بدأت من حضرموت والمهرة، مرورًا بشبوة، وصولًا إلى محيط عدن، ضمن نمط واحد يتكرر بأدوات مختلفة. تفريخ مكونات سياسية هشة، تشتيت النسيج الاجتماعي، وصناعة تشكيلات تتبع القرار الخارجي مباشرة، كلها خطوات اعتبرها متابعون جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تفكيك الداخل الجنوبي بعد الفشل في كسره عبر المواجهة المباشرة.
ومع تصاعد هذه الضغوط، برزت أصوات تنتقد موقف المجلس الانتقالي، داعية إلى مزيد من “الحكمة” و”الواقعية”. إلا أن السؤال الذي يطرحه الشارع الجنوبي اليوم يتمحور حول جدوى استمرار الصبر في ظل تآكل مقومات الحياة، وضياع التضحيات، وغياب أي أفق سياسي يعترف بالجنوب كقضية وشعب. هل الواقعية تعني القبول بتحويل المدن إلى مربعات أمنية تُدار من الخارج؟ وهل الحكمة تقتضي تجاهل آلاف الشهداء مقابل خرائط طريق لا تذكر الجنوب إلا عرضًا؟
وفق معطيات المشهد، يرى مراقبون أن ما يحدث اليوم ليس اندفاعًا أو مغامرة سياسية، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التجاهل والضغط. فالصبر، كما يؤكدون، لا يعني الخنوع، والتنازل عن الأرض والقرار لا يمكن تسويقه كسياسة رشيدة. الجنوب، الذي صمد في سنوات الحرب وواجه محاولات الإقصاء المتكررة، يبعث برسالة مفادها أن الكرامة ليست بندًا قابلًا للتفاوض، وأن شعبًا دفع هذا الثمن الباهظ لن يقبل أن تُحسم قضيته في غرف مغلقة أو صفقات لا تمثله.
في المحصلة، يبدو أن مرحلة الصبر المفتوح وصلت إلى نهايتها، ليس لأن الجنوب اختار التصعيد، بل لأن الخيارات الأخرى استُنفدت. وبين واقع معيشـي قاسٍ، ومسار سياسي ضبابي، تتجدد قناعة واسعة بأن الشعوب التي عاشت الإقصاء طويلًا لا تموت، وأن الجنوب الذي لم ينكسر في الميدان، لن يفرّط بحقوقه على طاولات التفاوض.

فيديو