حين تتحول الكلمة إلى تهمة… أيُّ وطنٍ يُبنى على الخوف؟

تقارير - منذ 4 ساعات

عين الجنوب ||خاص:
في اللحظات التي تضيق فيها مساحة التعبير، وتتحول الكلمة إلى عبءٍ على صاحبها، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لدولة أن تقوم على اعتقال الصحفيين وملاحقة الناشطين وتكميم الأفواه؟ وكيف يُراد لوطنٍ أن يستقر بينما يُدار بالخوف بدل الحوار، وبالإقصاء بدل الشراكة؟
في الجنوب، تتصاعد شكاوى من حملات اعتقال واستدعاءات طالت صحفيين وناشطين، لم يُعرف عنهم سوى أنهم عبّروا عن آرائهم أو نقلوا معاناة الناس أو انتقدوا أداء سلطات الأمر الواقع. مشهد يتكرر كلما ارتفع صوتٌ ناقد، أو كُتبت مقالة، أو نُشرت تدوينة تسائل المسؤولين عن الخدمات والأمن والحقوق. وكأن سقف الحرية يُخفض كلما اشتدت الأزمة، بدل أن يتسع لاستيعاب الغضب الشعبي وتوجيهه نحو الإصلاح.
إن تقييد الحريات لا يصنع هيبة دولة، بل يكشف هشاشتها. والدول التي تثق بعدالة قضيتها لا تخشى القلم، ولا ترتبك أمام الكاميرا، ولا تعتبر الرأي المخالف تهديدًا وجوديًا. فالإعلام الحر ليس خصمًا للسلطة، بل شريكًا في تصحيح المسار، ومنصةً لقياس نبض الشارع، ووسيلةً لكشف مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى انفجارات اجتماعية.
لقد أثبتت التجارب أن القمع قد يفرض صمتًا مؤقتًا، لكنه لا يبني استقرارًا دائمًا. الاستقرار الحقيقي يقوم على العدالة، وعلى احترام الحقوق، وعلى شعور المواطن بأنه شريك في وطنه لا متهم فيه. وعندما يشعر الناس أن أصواتهم تُصادر، وأن النقد يُجرَّم، وأن المطالبة بالحقوق تُفسَّر كخيانة، فإن فجوة الثقة تتسع، وتتحول العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى علاقة شك وتوجس.
الصحفي ليس خصمًا للدولة، بل عينها التي ترى بها أخطاءها. والناشط ليس عدوًا للنظام، بل ناقوس إنذار مبكر يحذر من الانزلاق. أما تحويل هؤلاء إلى أهداف للملاحقة، فإنه يبعث برسالة سلبية إلى المجتمع مفادها أن المجال العام مغلق، وأن الحوار مستبدل بالأوامر، وأن الولاء يُقاس بالصمت لا بالكفاءة.
إن الجنوب، الذي قدم تضحيات جسامًا عبر سنوات الصراع، لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسامات أو سياسات الترهيب. بل يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على احترام التعدد، وصون الكرامة، وضمان حق التعبير السلمي. فالوطن لا يُبنى بإسكات المختلفين، بل بإدارة اختلافهم ضمن إطار قانوني عادل يكفل الحقوق ويحدد الواجبات.
الدولة القوية ليست تلك التي تملأ السجون، بل التي تفتح المنابر. ليست التي تلاحق الكُتّاب، بل التي تحاورهم. وليست التي تخشى النقد، بل التي تتعلم منه. وأي مشروع سياسي، مهما كانت شعاراته، سيفقد مصداقيته إن لم يُترجم إلى ممارسة تحترم الإنسان أولًا.
إن حماية حرية الصحافة وحق التعبير ليست ترفًا سياسيًا، بل حجر أساس في أي بناء وطني???????? حقيقي. ومن دونها، سيبقى الاستقرار هشًا، والتنمية متعثرة، والثقة مفقودة. فالكلمة الحرة قد تُزعج، لكنها لا تهدم وطنًا. أما الخوف، حين يتحول إلى سياسة، فهو وحده القادر على تقويض أي مشروع دولة من جذوره.

فيديو