حين يتكلم الجنوب بالملايين… الرسالة التي لا يمكن إسكاتها

تقارير - منذ 9 ساعات

خاص|عين الجنوب             

لم تعد المليونيات في الجنوب مجرد فعاليات جماهيرية عابرة، ولا مشاهد احتفالية موسمية، بل تحوّلت إلى فعلٍ سياسيٍّ متراكم، يعبّر عن وعيٍ جمعي يتجدد في كل ساحة ومدينة. من عدن إلى الضالع، ومن أبين إلى المهرة، يخرج الناس بالآلاف والملايين ليؤكدوا أن القضية التي يحملونها لم تعد شعارًا سياسيًا، بل أصبحت خيار وجود وهوية ومستقبل.
اللافت في هذه الحشود أنها لا تنطلق بدافع اللحظة، ولا تُستثار بخطاب عاطفي عابر، بل تستند إلى ذاكرة مثقلة بالتضحيات وسنوات طويلة من التحولات والصراعات. كل مليونية تُقام تبدو وكأنها استفتاء شعبي مفتوح، يعبّر فيه المواطن البسيط قبل القيادات عن قناعته بأن المرحلة لم تعد تحتمل المراوحة أو الحلول المؤقتة.
في الساحات ترتفع الأعلام وتتعالى الهتافات، لكن ما وراء المشهد أعمق من ذلك بكثير. هناك رسالة سياسية واضحة للداخل والخارج مفادها أن الجنوب لم يعد ساحة صامتة تنتظر ما يُملى عليها، بل طرفًا فاعلًا يمتلك إرادته الشعبية المنظمة. هذه الإرادة، كما تظهر في كل فعالية، تتجاوز الانقسامات المناطقية والحسابات الضيقة، لتصوغ خطابًا موحدًا عنوانه استعادة الدولة كاملة السيادة.
وتحمل هذه المليونيات في طياتها بعدًا رمزيًا مهمًا؛ فهي تعيد رسم المشهد العام وتصحح كثيرًا من السرديات التي حاولت التقليل من حجم الالتفاف الشعبي. فحين تمتلئ الساحات عن آخرها، يصبح من الصعب تجاهل الصوت الجماعي أو التعامل معه بوصفه رأيًا هامشيًا. بل إن التكرار المنتظم لهذه الفعاليات يمنحها طابعًا تراكميًا يعزز مشروعها السياسي ويمنحه شرعية شعبية متجددة.
كما أن اللافت هو الطابع السلمي المنضبط الذي يغلب على هذه الحشود، في رسالة ضمنية تؤكد أن خيار الجماهير هو التعبير الحضاري المنظم، وأن القوة الحقيقية تكمن في الإجماع الشعبي لا في الفوضى. هذا الانضباط يعكس مستوى من الوعي السياسي الذي تشكّل عبر سنوات من التجربة، وجعل من الشارع الجنوبي مدرسة في التعبير الجماهيري.
سياسيًا، تضع هذه المليونيات مختلف الأطراف أمام حقيقة واضحة: هناك قضية حاضرة بقوة في وجدان الناس، لا يمكن القفز فوقها أو الالتفاف عليها. فالمعادلات التي تُرسم بعيدًا عن إرادة الشارع سرعان ما تتآكل حين تصطدم بحشودٍ تثبت في كل مرة أن خيارها ثابت لا يتبدل.
أما إقليميًا ودوليًا، فإن استمرار هذا الزخم الشعبي يطرح سؤالًا كبيرًا حول مدى استعداد الفاعلين للتعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. فالمشهد لم يعد قابلًا للتأويل المتعدد؛ الصورة واضحة، والرسالة مباشرة، والمطلب محدد.
في المحصلة، لم تعد المليونيات مجرد حدث يُذكر في نشرات الأخبار، بل أصبحت عنوان مرحلة بأكملها. مرحلة تقول فيها الجماهير كلمتها بصوتٍ واحد: إن القضية حيّة، وإن الإرادة الشعبية أقوى من محاولات التهميش، وإن الجنوب حين يتكلم بالملايين، فإنه لا يهمس… بل يعلن موقفًا لا يقبل التأجيل.

فيديو