الجنوب ينتفض في وجه الاستفزاز: الشارع يرفض إعادة فرض قوى الشمال تحت فوهة السلاح

تقارير - منذ 4 ساعات

خاص|عين الجنوب                      

في لحظة مشحونة بالغضب والاحتقان، انفجرت المواجهة أمام بوابة قصر المعاشيق في عدن، لا بوصفها حادثة أمنية عابرة، بل كتعبير صريح عن رفض شعبي واسع لما يصفه المحتجون بمحاولات إعادة فرض قوى الشمال على الجنوب تحت مسميات سياسية مختلفة. الرصاص الذي دوّى في محيط القصر لم يكن مجرد صوت اشتباك، بل رسالة صادمة عمّقت القناعة لدى كثيرين بأن الأزمة لم تعد خدمية فقط، بل سياسية بامتياز.
الشارع الجنوبي يرى أن ما يجري هو استمرار لنهج يعتبرونه وصاية مفروضة وإعادة تدوير لنخب ارتبطت بمراحل صراع وانقسام، ضمن حكومة يقودها رشاد العليمي من مقرها في الرياض. عودة شخصيات جدلية إلى واجهة القرار تُقرأ في عدن باعتبارها تجاهلًا لذاكرة مثقلة بالدم والتوتر، واستفزازًا مباشرًا لشعبٍ ما تزال جراحه مفتوحة.
لم تكن الهتافات أمام المعاشيق معزولة عن سياق أوسع. فالأزمات المعيشية الخانقة – من انقطاع الكهرباء إلى تدهور العملة وغياب الرواتب – شكّلت الوقود الذي غذّى الغضب، لكن الشعارات تجاوزت مطلب الخدمات إلى رفض ما يُنظر إليه كإعادة إنتاج للهيمنة السياسية. بالنسبة لكثيرين، القضية لم تعد تحسين خدمة هنا أو هناك، بل معركة هوية وقرار وسيادة.
عدن التي حملت عبر تاريخها محطات صراع وتحولات كبرى، تجد نفسها اليوم أمام مشهد يتكرر بصيغة جديدة. فكلما تصاعدت المطالب الشعبية، برزت مخاوف من استخدام القوة بدل الحوار. غير أن استخدام الرصاص في مواجهة متظاهرين عُزّل، وفق روايات متداولة في الشارع، لا يُفهم إلا كتعميق للهوة بين السلطة والمجتمع، ويمنح خطاب الرفض زخمًا أكبر.
سياسيًا، تبدو الرسالة واضحة: إعادة تدوير القوى ذاتها دون معالجة جذور الأزمة لن تنتج استقرارًا. فالثقة التي تآكلت عبر سنوات لا يمكن استعادتها بقرارات فوقية، ولا بعودة وجوه يعتبرها قطاع واسع من الجنوبيين امتدادًا لمرحلة صدامية. ومع كل خطوة تُفسَّر كاستفزاز، يتسع نطاق الرفض وتتصلب المواقف.
في المقابل، يصرّ الشارع على أن الجنوب لم يعد ساحة قابلة لإعادة الضبط وفق توازنات قديمة. فالمزاج العام يميل إلى التأكيد أن أي حلول لا تنطلق من احترام الإرادة المحلية ستبقى هشّة ومؤقتة. ومن هنا، تتحول كل مواجهة إلى محطة اختبار: هل هناك استعداد حقيقي لقراءة التحولات، أم أن منطق القوة سيظل هو اللغة السائدة؟
ما حدث أمام بوابة المعاشيق يتجاوز حدود اللحظة. إنه مؤشر على صراع سرديات: سلطة تقول إنها تمارس حقها في إدارة الدولة، وشارع يقول إنه يرفض إعادة فرض قوى يعتبرها امتدادًا لهيمنة سابقة. وبين الروايتين، يقف الجنوب على مفترق طرق حساس، حيث قد تحدد طريقة التعاطي مع هذه الاحتجاجات شكل المرحلة المقبلة.
في النهاية، يبدو أن الرهان لم يعد على إسكات الغضب، بل على القدرة على فهمه. فالاستفزاز يولّد مزيدًا من الرفض، والقوة لا تصنع قبولًا دائمًا. والجنوب، كما تؤكد أصواته في الشارع، يريد أن يُعامل كشريك في القرار لا كساحة لإعادة توزيع النفوذ.

فيديو