حين تُطفأ الأنوار وتضاء لإطفاء قضية شعب… كيف تحوّل ملف الخدمات إلى سلاح سياسي في الجنوب؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص:
في الجنوب ومنذو عشر سنوات ، لم تعد أزمة الكهرباء مجرّد خلل فني، ولا انقطاع الرواتب نتيجة عجز مالي عابر، ولا شحّ المياه بسبب تقادم البنية التحتية. ما يتشكّل في وعي الشارع الجنوبي خلال الفتره الماضيه هو صورة مختلفة تمامًا: الخدمات الأساسية باتت تُستخدم كورقة ضغط سياسية، وسلاحًا ناعمًا لتطويع الإرادة العامة وكسر موقفٍ شعبي يرفض أي تسوية لا تُعيد الدولة الجنوبية كاملة السيادة وعاصمتها عدن.
الناس هنا لا يقرأون الظلام بوصفه انقطاع تيار، بل رسالة. ولا يفسّرون تأخر الرواتب كإجراء إداري، بل كأداة عقاب جماعي. تتكرر الأزمات بوتيرة لافتة، تتزامن غالبًا مع لحظات سياسية حساسة، أو مع تصاعد الخطاب المطالب باستعادة الدولة. وفي كل مرة، يُطرح الحل على هيئة “انفراجة مشروطة”، كأن لقمة العيش مرتبطة بمستوى الانصياع، وكأن حق الإنسان في الماء والكهرباء والراتب قابل للمساومة.
هذه المعادلة الخطرة – خدمات مقابل صمت – تُعيد إلى الأذهان ما يسميه كثيرون بـ"حرب التطويع ، وهي مرحلة سابقة استخدمت فيها أدوات الإدارة والاقتصاد لإخضاع مجتمع كامل. حينها، قيل إن الأزمات عابرة، وإن الانقطاعات ظرفية، لكن السنوات أثبتت أن تكرارها لم يكن صدفة، بل نمطًا. نمطٌ يهدف إلى إنهاك الناس، إشغالهم بالبحث عن وقود ومياه ورواتب، بدل انشغالهم بمشروعهم السياسي.
المفارقة أن الجهات القادرة على المعالجة تمتلك الإمكانات والقرار، لكنها تتعامل مع الملف بمنطق التحكم لا بمنطق الخدمة. تُدار الأزمة أحيانًا ببطء مقصود، ويُفرج عن الحلول بجرعات محسوبة، في مشهد يُشبه إدارة صنبورٍ يُفتح ويُغلق وفق حسابات سياسية. وكل تحسّن مفاجئ يُقدَّم كمنّة، وكل انفراج يُسوَّق كإنجاز، بينما يبقى الأصل – وهو استقرار الخدمات – غائبًا.
النتيجة أن ملف الخدمات تحوّل من شأن إداري إلى أداة ضغط. المواطن الذي يُفترض أن يكون محور السياسات، يجد نفسه رهينة لها. الكهرباء التي تنير البيوت، والماء الذي يروي العطش، والراتب الذي يسدّ الحاجة، كلها أصبحت عناصر في معادلة أكبر تتجاوز الاحتياج اليومي لتلامس جوهر الصراع السياسي.
في الشارع الجنوبي، تتشكل قناعة متزايدة بأن الهدف ليس فقط إدارة أزمة، بل إعادة تشكيل الوعي عبر إنهاك الجسد الجمعي. حين ينشغل المجتمع بتأمين الحد الأدنى من الحياة، تتراجع أولوياته السياسية. وحين يصبح الاستقرار الخدمي مشروطًا، يُدفع الناس دفعًا نحو قبول تسويات لا تعبّر عن تطلعاتهم. هكذا يُراد للمعاناة أن تتحول إلى أداة مساومة.
غير أن التجربة أظهرت أن هذا الأسلوب، بدل أن يُنتج خضوعًا، يُراكم غضبًا صامتًا. فالمجتمعات التي دفعت أثمانًا باهظة في مسارها السياسي لا تنسى بسهولة، ولا تقايض حقها التاريخي بخدمة مؤقتة. كل انقطاع جديد يعمّق الشك، وكل تأخير يُفسَّر ضمن سياق أوسع من مجرد عجز إداري.
القضية هنا لم تعد فقط في ساعات انقطاع الكهرباء أو تأخر صرف الرواتب، بل في فلسفة إدارة الملف. هل تُدار الخدمات باعتبارها حقًا أصيلًا غير قابل للتسييس؟ أم تُستخدم كأدوات ضغط لإعادة رسم المشهد السياسي؟ هذا السؤال بات حاضرًا بقوة في النقاشات الشعبية، ويتقدّم على أي تبريرات تقنية.
الجنوب، وفق هذا المزاج العام، لا يطالب بامتيازات، بل بحقوق. ولا يرى في الخدمات مِنّة تُشكر، بل واجبًا لا يجوز ربطه بالمواقف السياسية. وحين تُستخدم هذه الحقوق كورقة تفاوض، يتحول الأمر من أزمة خدمية إلى أزمة ثقة عميقة بين الناس ومن يدير شؤونهم.
في النهاية، قد تنجح سياسة الضغط الخدمي في تأجيل المواجهة، لكنها لا تُنهيها. فالخدمات يمكن أن تُطفأ وتُعاد، لكن القناعات التي تتكوّن في العتمة يصعب محوها. وبين ظلامٍ يُراد له أن يُرهق الإرادة، وإرادةٍ ترى في كل انقطاع اواضاءه دليلًا إضافيًا على عدالة مطلبها، تستمر المعادلة مفتوحة على احتمالات لا يمكن التحكم بها عبر مفاتيح الكهرباء أو كشوفات الرواتب. لكونها حقوق مكتسبه لاعطاءات تستحق الشكر

فيديو