حضرموت بين إرث الحضارة والمدنية وتحولات ما بعد الوحدة.. كيف تغيّرت ملامح المجتمع الجنوبي؟

تقارير - منذ 46 دقيقة

حضرموت|| عين الجنوب|| خاص: 
لم تكن حضرموت يومًا مجرد محافظة عابرة في خارطة الجنوب العربي ، بل شكّلت عبر التاريخ نموذجًا استثنائيًا لمجتمع مدني متماسك، عُرف بالعلم والتجارة والانفتاح والسلم الاجتماعي، حتى أصبحت الشخصية الحضرمية علامة فارقة في المنطقة العربية وآسيا وشرق أفريقيا، بما تحمله من قيم التسامح والانضباط واحترام القانون والعمل والإنتاج. فقد استطاع المجتمع الحضرمي، على مدى عقود طويلة، أن يبني لنفسه صورة حضارية راقية، مستندًا إلى إرث ثقافي عميق وتقاليد اجتماعية قائمة على الاحترام والتعايش والمدنية.
قبل قيام الوحدة اليمنية عام 1990، كان الجنوب عمومًا، وحضرموت على وجه الخصوص، يعيش حالة من الاستقرار الاجتماعي النسبي، وكانت المدن الحضرمية تتمتع بقدر كبير من النظام، حيث كانت مظاهر الدولة المدنية واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والنظام الإداري إلى احترام الذوق العام والسلوك المجتمعي. وقد انعكس ذلك على طبيعة الإنسان الحضرمي الذي نشأ في بيئة تميل إلى الهدوء والاعتدال، بعيدًا عن مظاهر الفوضى والثقافة القبلية المسلحة التي كانت سائدة في مناطق أخرى.
لكن السنوات التي أعقبت الوحدة حملت معها تحولات عميقة لم تقتصر على السياسة والاقتصاد فقط، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي والثقافي للجنوب. ومع تدفق النفوذ السياسي والعسكري والقبلي القادم من الشمال، بدأت حضرموت وبقية المحافظات الجنوبية تشهد تغيرات متسارعة في أنماط الحياة والسلوك العام، الأمر الذي اعتبره كثير من الجنوبيين بداية لتراجع الهوية المدنية التي تميز بها الجنوب لعقود.
فقد دخلت إلى المجتمع الجنوبي عادات وسلوكيات لم تكن مألوفة في البيئة الحضرمية، وبرزت تدريجيًا مظاهر حمل السلاح، وتنامت النزعات القبلية، وظهرت ثقافة القوة والنفوذ على حساب القانون والمؤسسات. كما تراجعت بعض القيم المدنية التي كانت تشكل أساس الحياة الاجتماعية في الجنوب، لتحل محلها أنماط جديدة فرضتها ظروف الصراع السياسي واختلال موازين السلطة بعد الوحدة.
ويرى كثير من أبناء حضرموت أن ما حدث لم يكن مجرد تفاعل طبيعي بين مجتمعين مختلفين، بل عملية تغيير واسعة مست البنية الاجتماعية والثقافية للجنوب، وأثرت على الهوية المحلية بشكل مباشر. فالمجتمع الذي كان يعتمد على التعليم والانضباط والعمل المؤسسي، وجد نفسه تدريجيًا أمام واقع جديد تهيمن عليه المحسوبية والصراعات السياسية والتجاذبات القبلية، وهو ما انعكس على مختلف مناحي الحياة.
ومع حرب صيف 1994، تعمقت هذه التحولات بصورة أكبر، إذ شعر قطاع واسع من الجنوبيين أن الوحدة تحولت من مشروع شراكة إلى حالة هيمنة سياسية وعسكرية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الشعور بالاستياء والاغتراب داخل المجتمع الجنوبي. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الهوية الجنوبية تأخذ بعدًا سياسيًا وثقافيًا أكثر وضوحًا، باعتبارها رد فعل على ما اعتبره الجنوبيون محاولات لطمس خصوصيتهم الاجتماعية والثقافية.
حضرموت، التي كانت نموذجًا للتجارة والثقافة والانفتاح، أصبحت تواجه تحديات اجتماعية معقدة، أبرزها تغير طبيعة العلاقات داخل المجتمع، وظهور مظاهر الفوضى والتسلح، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية التي ساهمت في إنهاك المجتمع وإضعاف مؤسساته المدنية. كما أن الأجيال الجديدة بدأت تنشأ في بيئة مختلفة تمامًا عن تلك التي عرفها الآباء والأجداد، وهو ما أثار مخاوف متزايدة من فقدان كثير من الملامح الحضارية التي عُرفت بها حضرموت تاريخيًا.
ورغم كل تلك التحولات، لا يزال المجتمع الحضرمي يحتفظ بجزء كبير من هويته الثقافية والحضارية، حيث يواصل كثير من أبنائه التمسك بقيم الاعتدال والعلم والعمل والسلم الاجتماعي، باعتبارها عناصر أساسية في الشخصية الحضرمية. كما تتصاعد اليوم دعوات واسعة لإعادة الاعتبار للهوية المدنية للجنوب، والحفاظ على خصوصيته الثقافية والاجتماعية، بعيدًا عن الصراعات التي أنهكت المنطقة طوال العقود الماضية.
إن الحديث عن حضرموت ليس مجرد حديث عن منطقة جغرافية، بل عن تجربة حضارية وإنسانية عريقة تشكلت عبر قرون طويلة، وظلت عنوانًا للمدنية والتسامح. ولذلك فإن أي نقاش حول مستقبل الجنوب لا يمكن أن يتجاهل أهمية حماية هذا الإرث الاجتماعي والثقافي من مزيد من التآكل، والعمل على استعادة قيم الدولة والنظام والقانون التي شكّلت جوهر الحياة الجنوبية لعقود طويلة.

فيديو