الاستقرار المزيّف.. كيف تحاصر الأزمات أبناء الجنوب وتدفعهم نحو انهيار معيشي

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن.عين الجنوب |خاص          

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن الاستقرار وتحاول تسويق صورة توحي بأن الأوضاع تحت السيطرة، يعيش المواطن في الجنوب واقعاً مختلفاً تماماً، واقعاً تزداد فيه المعاناة يوماً بعد آخر حتى بات الحديث عن الاستقرار أشبه بوهم سياسي لا يمتّ لحياة الناس بأي صلة. فالجائع لا يشعر بالاستقرار، والعاطل عن العمل لا تعنيه التصريحات الرسمية، والمواطن الذي يقضي يومه بين انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب لم يعد يرى في كل ما يقال سوى محاولة لتجميل مشهد ينهار من الداخل بصورة مخيفة.
لقد تحولت الحرب على الفقراء إلى سياسة غير معلنة، لكنها واضحة في نتائجها الكارثية على حياة المواطنين. فمع تدني مستوى الدخل وغياب فرص العمل وانهيار الخدمات الأساسية، أصبح المواطن الجنوبي محاصراً من كل الاتجاهات، بينما تستمر الجهات الرسمية في اتخاذ قرارات اقتصادية تزيد الوضع اشتعالاً بدل أن تبحث عن حلول حقيقية تخفف معاناة الناس. ولم يعد السؤال اليوم عن أسباب الأزمة، بل عن الأسباب التي تدفع الحكومة إلى إعادة إنتاجها وتوسيعها بصورة مستمرة.
إن تأخر صرف الرواتب أو انقطاعها لأشهر طويلة لم يعد مجرد مشكلة إدارية عابرة، بل تحول إلى وسيلة ضغط قاسية دفعت آلاف الأسر إلى حافة الجوع والعجز الكامل عن توفير أبسط متطلبات الحياة. الموظف الذي كان راتبه بالكاد يغطي احتياجات أسبوع واحد، أصبح اليوم عاجزاً حتى عن شراء الضروريات الأساسية بسبب الانهيار المتواصل للعملة وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشتقات النفطية والإيجارات والمواصلات. وفي ظل هذا الانهيار المعيشي، تبدو الرواتب الهزيلة مجرد أرقام فاقدة للقيمة أمام موجات الغلاء التي تضرب الأسواق بلا رحمة.
وما يزيد المشهد قتامة أن الحكومة تتجه نحو رفع الدولار الجمركي من 750 إلى 1550، وهي خطوة تعني عملياً فتح أبواب جحيم جديدة على المواطنين. فرفع الدولار الجمركي لن يكون مجرد قرار اقتصادي معزول، بل سيؤدي بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والأدوية وكل ما يحتاجه المواطن في حياته اليومية، لأن التاجر سيقوم بتحميل الفارق الجمركي على المستهلك البسيط الذي أصبح الحلقة الأضعف في معادلة الفساد والفشل الاقتصادي.
هذا القرار يأتي في وقت يعيش فيه الناس أصلاً حالة اختناق غير مسبوقة، حيث تعاني غالبية الأسر من عجز حقيقي في توفير الغذاء والدواء ومتطلبات التعليم، بينما تتآكل القدرة الشرائية بصورة مرعبة. ومع كل زيادة جديدة في الأسعار، تتسع دائرة الفقر بصورة أكبر، ويتحول الاستقرار الذي تتحدث عنه السلطة إلى مجرد شعار سياسي منفصل عن الشارع الذي يغلي بالغضب والمعاناة.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على الجانب الاقتصادي فقط، بل امتدت لتشمل انهيار الخدمات الأساسية بشكل كامل. الكهرباء أصبحت عبئاً يومياً يرهق الناس في ظل ساعات انقطاع طويلة وحرارة خانقة، والمياه تعاني من أزمات متكررة، والقطاع الصحي يعيش حالة انهيار، بينما تتراجع الخدمات التعليمية والمعيشية بصورة مخيفة. وفي المقابل، لا يجد المواطن أي تحرك جاد لمعالجة هذه الملفات بقدر ما يجد مزيداً من القرارات التي تثقل كاهله وتضاعف أوجاعه.
إن أخطر ما في الأمر أن استمرار هذا الوضع يهدد النسيج الاجتماعي والاستقرار الحقيقي للمجتمع، لأن الشعوب لا يمكن أن تعيش إلى الأبد تحت ضغط الجوع والحرمان والإذلال الاقتصادي. فحين يشعر المواطن أن مستقبله يُسحق أمام عينيه، وأن حكومته عاجزة أو غير مكترثة بمعاناته، فإن حالة الاحتقان الشعبي تصبح أمراً طبيعياً ومتوقعاً، خصوصاً في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على وجود حلول قريبة أو رؤية اقتصادية قادرة على إنقاذ الوضع.
لقد بات واضحاً أن المواطن في الجنوب يدفع اليوم ثمن صراعات سياسية وحسابات إقليمية وفساد إداري واقتصادي متراكم، بينما تتآكل حياته بصورة يومية دون أن يجد من ينقذه من هذا الانهيار المتسارع. فالأزمات لم تعد استثنائية أو مؤقتة، بل تحولت إلى نمط حياة مفروض على الناس، حتى أصبح الحصول على الكهرباء أو الراتب أو الوقود أو حتى الغذاء معركة يومية تستنزف كرامة الإنسان وقدرته على الصمود.
وفي ظل هذه الظروف القاسية، فإن أي حديث عن الاستقرار دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والمعيشية سيظل حديثاً بلا معنى. فالاستقرار الحقيقي لا يُقاس بعدد التصريحات السياسية، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة، وتوفير احتياجات أسرته، والشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي. أما حين تتحول الحياة إلى سلسلة لا تنتهي من الأزمات والضغوط والغلاء وانعدام الخدمات، فإن الاستقرار يصبح مجرد وهم كبير تحاول السلطة تسويقه بينما يعيش الناس واقعاً مختلفاً تماماً.

فيديو