السعودية بين وهم التفاهمات وصفقات النفوذ.. كيف تحوّل الحوثي من عدو معلن إلى ورقة ضغط على الجنوب؟

تقارير - منذ 52 دقيقة

عين الجنوب ||خاص :
حين تدخلت السعودية عسكريًا في اليمن تحت شعار “إنهاء الانقلاب الحوثي” واستعادة الدولة، بدا الأمر بالنسبة لكثيرين وكأنه معركة فاصلة ستُنهي تمدد الجماعة المسلحة وتعيد التوازن إلى المنطقة. لكن السنوات الطويلة التي أعقبت ذلك كشفت واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث تحولت الحرب من معركة معلنة ضد الحوثيين إلى شبكة معقدة من الحسابات السياسية والمصالح الإقليمية والتفاهمات غير المعلنة، كان الجنوب العربي أحد أكبر ضحاياها.
الجنوبيون الذين تمكنوا من دحر الحوثيين من أرضهم بدمائهم وتضحياتهم، كانوا يتوقعون أن يتم دعم مشروع الاستقرار وبناء المؤسسات في المناطق المحررة، غير أن ما حدث على الأرض سار في اتجاه آخر تمامًا. فبدلًا من تعزيز الجنوب وتمكينه من إدارة موارده وتأمين مستقبله، بدأت تتشكل قناعة واسعة لدى قطاعات كبيرة من الشارع الجنوبي بأن الحرب تحولت إلى وسيلة لإعادة تدوير النفوذ، وأن الجنوب لم يعد يُنظر إليه كشريك، بل كساحة يجب إبقاؤها تحت الضغط السياسي والاقتصادي.
ومع مرور الوقت، ظهرت تناقضات كبيرة في المشهد. فالحوثي الذي قيل إن الحرب جاءت لإنهاء سيطرته، تمدد أكثر، وفرض سلطته على مناطق واسعة، ونجح في تطوير قدراته العسكرية والإعلامية والسياسية، بينما غرقت المناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا في أزمات اقتصادية وخدمية خانقة، وانهيار للعملة، وتعثر الرواتب، وتراجع في أبسط مقومات الحياة. هذا الواقع دفع كثيرين للتساؤل: كيف يمكن لتحالف يمتلك كل هذا الدعم العسكري والسياسي أن يعجز عن حسم معركة ضد جماعة محاصرة ومنهكة بالحرب؟
الإجابة التي يرددها كثير من الجنوبيين اليوم تتمثل في أن الحرب لم تعد حرب إنهاء الحوثي، بل تحولت إلى إدارة توازنات تخدم مصالح إقليمية معقدة. فبدلًا من إسقاط الحوثيين، جرى التعامل معهم كأمر واقع يمكن استخدامه كورقة ضغط لإعادة تشكيل الخارطة السياسية، وإبقاء الجنوب في حالة استنزاف دائم تمنعه من امتلاك قرار مستقل أو استثمار ثرواته بعيدًا عن الوصاية الخارجية.
ومن هنا بدأت تتصاعد الاتهامات السياسية تجاه الرياض بأنها لم تعد ترى في الحوثي تهديدًا بقدر ما تراه أداة يمكن توظيفها ضمن ترتيبات تضمن أمن حدودها ومصالحها، حتى وإن كان الثمن هو ترك الجنوب يواجه الأزمات والانهيارات المتلاحقة. فكلما اقترب الجنوب من تثبيت حضوره السياسي والعسكري، ظهرت أزمات جديدة تعيد خلط الأوراق، من تعطيل الخدمات، إلى الأزمات الاقتصادية، إلى الصراعات السياسية المفتعلة، وكأن المطلوب إبقاء الجنوب في دائرة إنهاك مستمرة.
وفي المقابل، كان الحوثيون يرسخون سلطتهم أكثر في الشمال، ويقدمون أنفسهم كقوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها. ومع كل جولة تفاوض أو تهدئة، كان الجنوبيون يشعرون أن قضيتهم تُدفع إلى الهامش، وأن التفاهمات تُبنى على حسابهم، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن ترتيبات اقتصادية وسياسية تمنح الحوثيين امتيازات واسعة، بينما يُحرم أبناء الجنوب من الاستفادة الحقيقية من ثرواتهم النفطية والاقتصادية.
هذا المشهد عزز شعورًا واسعًا بأن الحرب فقدت أهدافها الأصلية، وأن الشعارات التي رُفعت في البداية لم تعد تعكس ما يجري فعليًا على الأرض. فالقوة التي دخلت تحت عنوان “إعادة الشرعية” بدت عاجزة عن حماية حلفائها أو توفير نموذج مستقر في المناطق المحررة، بينما استطاع الحوثيون فرض أنفسهم كطرف رئيسي في أي معادلة سياسية قادمة.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والانهيارات المعيشية، لم يعد المواطن الجنوبي يرى الأزمة مجرد أخطاء سياسية عابرة، بل بات يعتبرها جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى إضعاف الجنوب وإبقائه تحت الحاجة والابتزاز. ولهذا تتصاعد اليوم الأصوات التي تؤكد أن الجنوب لم يعد قادرًا على تحمل مزيد من الوصاية أو إدارة الأزمات المفتعلة، وأن التضحيات التي قدمها الجنوبيون في مواجهة الحوثيين لا يمكن أن تتحول إلى مجرد ورقة تفاوض في صفقات إقليمية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع الهيبة، وأن الدول التي تخوض الحروب دون رؤية واضحة قد تجد نفسها غارقة في مستنقعات تستنزفها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. كما أثبتت أن الشعوب التي تدافع عن أرضها وقضيتها لا يمكن تجاوز إرادتها مهما طال الزمن.
وفي الجنوب اليوم، تتشكل قناعة متزايدة بأن مستقبل المنطقة لن يُرسم عبر الصفقات المؤقتة أو التفاهمات التي تتجاهل حقائق الأرض، بل عبر الاعتراف بإرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها وإدارة ثرواتها بعيدًا عن مشاريع الهيمنة وإعادة إنتاج النفوذ. فكل محاولات الالتفاف على هذه الحقيقة لم تؤدِ إلا إلى مزيد من التعقيد والانقسام، بينما يبقى الجنوب حاضرًا كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة قادمة.

فيديو