الجنوب بين مطرقة الخارج وسندان الانقسام… معركة الوعي قبل معركة السياسة

تقارير - منذ 3 ساعات

خاص|عين الجنوب                      

في خضم العواصف السياسية التي تضرب الجنوب، تتصاعد أصوات تحذّر من الانجرار إلى صراعات داخلية تُستنزف فيها الطاقات وتُهدر فيها الفرص. المشهد، وفق مراقبين، لم يعد مجرد خلافات عابرة بين قوى محلية، بل بات أقرب إلى لوحة معقدة تُدار خيوطها من خارج الحدود، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية مع الترتيبات الأمنية والاقتصادية على الأرض.
الكاتب الصحفي صلاح بن لغبر شدد في قراءة تحليلية حديثة على أن الجنوبيين أمام لحظة فارقة تتطلب وعيًا سياسيًا عاليًا، محذرًا من تحويل أي تباين داخلي إلى معركة مفتوحة بين الإخوة. واعتبر أن الخصم الحقيقي – وفق توصيفه – ليس في الداخل، بل في السياسات التي تسعى لإبقاء الجنوب ساحةً قابلة لإعادة التشكيل بما يخدم توازنات إقليمية معقدة.
وتذهب القراءة إلى أن ما يجري في عدن وبعض المحافظات ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مسار مدروس يهدف إلى إعادة هندسة المشهد الجنوبي عبر أدوات متعددة، من بينها إعادة توزيع مراكز القوة، وإدارة الملف الأمني بطريقة تخلق حساسيات بين التشكيلات المختلفة. ويبرز في هذا السياق اسم “الشهراني” بوصفه الحاكم العسكري السعودي في عدن، في إشارة إلى الدور المباشر الذي يعتقد منتقدون أنه يُمارس في إدارة تفاصيل دقيقة تمس القرار المحلي.
سياسة “فرّق تسد” – كما يصفها مراقبون – لا تظهر فقط في الخطاب، بل في التفاصيل اليومية: رواتب تُصرف لقوة وتُؤخر عن أخرى، فروقات مالية بين وحدات تنتمي للمؤسسة ذاتها، قرارات تُتخذ دون توافق شامل، ما يفتح الباب أمام مشاعر التباين والتنافس. هذه الأدوات، بحسب التحليل، لا تُستخدم عبثًا، بل لتفكيك أي اصطفاف داخلي يمكن أن يتحول إلى موقف موحد في مواجهة الضغوط الخارجية.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات، يلفت مراقبون إلى أن عدداً من القيادات الجنوبية، ومنهم عبدالرحمن المحرمي وأحمد بن بريك الصبيحي، يتحركون داخل هامش سياسي ضيق تفرضه معادلات إقليمية ودولية معقدة، ما يجعل خياراتهم محكومة بسقف أعلى من قدرتهم الفعلية على المناورة. ووفق هذه الرؤية، فإن مهاجمة تلك القيادات دون إدراك لطبيعة المرحلة قد يؤدي – من حيث لا يُراد – إلى فتح ثغرات يستفيد منها الطرف الأقوى تأثيرًا.
الملف العسكري يظل الأكثر حساسية. فالتاريخ القريب، كما يستحضره كثيرون، لا يخلو من محطات دامية في مدن كالمكلا وسيئون والقطن والمهرة والضالع، حيث تعرضت مواقع عسكرية ومناطق مدنية لقصف جوي خلال سنوات الحرب. هذه الوقائع لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية، وتُستخدم اليوم كجزء من خطاب يطالب بعدم نسيان من امتلك قرار الطيران والسلاح في تلك اللحظات.
سياسيًا، تتعزز المخاوف من أن تتحول قضية الجنوب إلى ورقة تفاوض ضمن تسويات أوسع تشمل ملفات إقليمية متعددة، من بينها الصراع مع جماعة الحوثي. فحين تُختزل القضية في بند على طاولة المفاوضات، يصبح وزنها مرتبطًا بمدى تماسك أصحابها. وكلما تراجع هذا التماسك، تراجعت القيمة التفاوضية للقضية نفسها.
المعادلة، كما يراها أصحاب هذا الطرح، واضحة: جنوب منقسم يعني ورقة ضعيفة، وجنوب موحد يعني رقمًا صعبًا في أي تسوية. ومن هنا تأتي الدعوة إلى تحصين الجبهة الداخلية، وإدارة الخلافات ضمن أطر سياسية منظمة، بعيدًا عن التخوين أو التصعيد الإعلامي الذي قد يُعمّق الشرخ بدل رأبه.
في المحصلة، يبدو أن المعركة الحقيقية – وفق هذه القراءة – ليست بين مكونات الجنوب، بل حول الجنوب ذاته: من يملك قراره، ومن يحدد مساره، ومن يستخدم قضيته كورقة ضغط أو مساومة. وبينما تتقاطع المصالح الإقليمية فوق أرضه، يبقى الرهان على وعي الداخل وقدرته على إدراك أن أخطر الأسلحة ليست الطائرات ولا المدافع، بل الفتنة حين تتسلل إلى الصف الواحد.
الجنوب اليوم أمام اختبار وعي قبل أن يكون أمام اختبار قوة. فإما أن يتحول الانقسام إلى مدخل لإعادة إنتاج الوصاية، أو يصبح التماسك بوابة لفرض معادلة جديدة تضع القرار في يد أبنائه.

فيديو