حين يصمت القائد… هل تُدار المعركة في الخفاء؟

تقارير - منذ ساعتان

خاص|عين الجنوب                     

في خضم حالة القلق التي تتسلل إلى الشارع الجنوبي، تتصاعد التساؤلات حول غياب ظهور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، ولماذا لم يخرج حتى الآن ليطمئن الناس ولو بكلمة مختصرة تبدد الشكوك وتضع حدًا لسيل الإشاعات. وبين من يفسر هذا الصمت على أنه تراجع أو انكفاء، ومن يراه مجرد غياب عابر، يقف قطاع واسع من المواطنين في منطقة وسطى، مدفوعين بهاجس القلق والرغبة الطبيعية في الاطمئنان على قائدهم، خصوصًا في ظل ما يُتداول من روايات متباينة تُغذيها منصات إعلامية وأصوات تحاول توجيه الرأي العام نحو استنتاجات قد لا تكون دقيقة.
غير أن قراءة المشهد من زاوية سياسية أوسع تكشف أن المسألة قد لا تكون مرتبطة بقدرة القائد على الظهور أو إصدار بيان، فالرئيس الزبيدي، وفق ما يعرف عنه، لا يعجزه مخاطبة جمهوره في أي لحظة، لكن التوقيت في السياسة لا يقل أهمية عن الموقف ذاته، بل قد يكون أحيانًا أكثر حساسية وتأثيرًا. فالكلمة في مثل هذه الظروف ليست مجرد تطمين عابر، بل رسالة متعددة الأبعاد، يمكن أن تُقرأ داخليًا وخارجيًا، وقد تُستخدم من قبل خصوم سياسيين أو أطراف إقليمية ودولية لإعادة تفسير المشهد بما يخدم أجنداتها.
وفي ظل بيئة سياسية معقدة، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية، تبدو حالة الصمت أحيانًا خيارًا محسوبًا، لا تعبيرًا عن غياب، بل عن إدراك عميق لحجم المخاطر التي قد تترتب على أي تصريح غير محسوب. فهناك من يترقب أي كلمة، لا ليستمع إليها بقدر ما يبحث فيها عن ثغرة يمكن النفاذ منها لتقويض الثقة، أو لإرباك المشهد، أو حتى لتأليب الرأي العام عبر إعادة صياغة المعنى بما يخدم أهدافًا محددة.
وتشير المعطيات إلى أن ما يجري ليس مجرد حالة داخلية، بل جزء من لوحة أوسع، حيث تستمر محاولات إعادة ترتيب التوازنات بين القوى الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وسط مساعٍ لإعادة صياغة العلاقة بينهما على أسس جديدة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، يبرز “الملف الجنوبي” كأحد أبرز الأوراق المطروحة على طاولة التفاهمات، حيث يُطرح موضوع إعادة ترتيب البيت الجنوبي كجزء من أي تسوية محتملة، وهو ما يفسر، إلى حد كبير، حالة الترقب التي تفرض على القيادات السياسية تجنب أي مواقف متسرعة.
هذا التعقيد في المشهد يجعل من الصمت أداة سياسية بحد ذاتها، تُستخدم لامتصاص الضغوط، وتجنب الانزلاق إلى مواقف قد تكون مكلفة في هذه المرحلة الدقيقة. فالمعركة، كما تبدو، لم تعد تُدار فقط عبر المنابر الإعلامية أو الخطابات الجماهيرية، بل في أروقة السياسة المغلقة، حيث تُرسم السيناريوهات وتُبنى التفاهمات بعيدًا عن الأضواء.
ورغم ذلك، يبقى الشارع في حالة ترقب، يوازن بين ثقته بقيادته وحقه المشروع في معرفة ما يجري، وهو حق لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته. فالعلاقة بين القيادة والجمهور تقوم في جوهرها على الثقة والتواصل، لكن هذه العلاقة نفسها تتعرض لاختبارات صعبة في لحظات التحولات الكبرى، حيث يصبح الصمت أحيانًا ضرورة، حتى وإن بدا للبعض غموضًا أو ابتعادًا.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون غياب الظهور الإعلامي مؤشرًا على الغياب الفعلي من المشهد، بقدر ما هو انعكاس لطبيعة مرحلة تُدار فيها الملفات بحذر شديد، وتُحسب فيها الكلمات كما تُحسب الخطوات. وبين من يقرأ الصمت كضعف، ومن يراه تكتيكًا، تبقى الحقيقة الأهم أن اللحظات الحاسمة لا تُقاس بعدد التصريحات، بل بنتائجها على الأرض، وحين تحين ساعة الحسم، لن يكون الحضور في الشاشات هو الفيصل، بل في ميدان الفعل حيث تتحدد ملامح المرحلة القادمة.

فيديو