الجنوب على فوهة البركان بين مشروع الدولة ومستنقع الصراع ودوامة الفوضى

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب ||خاص:
في لحظة سياسية فارقة، يقف الجنوب أمام اختبار لا يقبل أنصاف الحلول ولا يحتمل استمرار الدوران في الحلقة ذاتها. فالمشهد لم يعد مجرد اختلافات في الرؤى أو تباينات في المواقف، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يتعلق بمصير مشروع كامل: هل يتجه الجنوب نحو بناء دولة متماسكة، أم يظل ساحة مفتوحة لتجاذبات الداخل والخارج؟
تتجه الأنظار اليوم إلى الداخل الجنوبي قبل أي طرف آخر، حيث تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة تعترف بأن المرحلة القادمة ثدار بواقع جديد عنوانه الشراكة والتكامل لا التنافر. إن لملمة الطيف الجنوبي بكل مكوناته لم تعد خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وجودية لبناء كيان قادر على الصمود في وجه العواصف.
وفي ظل هذا التعقيد، يصبح واضحًا أن الشعارات وحدها لم تعد كافية لحماية أي مشروع. فالقوة الحقيقية لا تُستمد من الخطاب، بل من بناء نسيج سياسي واجتماعي متماسك، يعكس التنوع بدل أن يحوله إلى عامل انقسام. الجنوب يمتلك من المقومات ما يؤهله للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجًا، لكن ذلك يتطلب إرادة حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
على الجانب الآخر، أثبتت التجارب أن التعويل على الخارج كان دائمًا رهانًا محفوفًا بالمخاطر. فالآخر، مهما بدا داعمًا أو متفهمًا، تحكمه مصالحه الخاصة، وليس تطلعات الشعوب. والتاريخ القريب والبعيد يحمل شواهد عديدة على شعوب انتظرت الحلول من الخارج، لتكتشف في النهاية أنها خسرت الداخل قبل أن تكسب أي دعم حقيقي. من هنا، يصبح بناء المشروع الجنوبي بيد أبنائه، وبإرادتهم المستقلة، الطريق الوحيد لضمان استدامته.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى صياغة خارطة طريق واضحة، لا تكتفي برفع سقف الطموحات، بل تترجمها إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ. خارطة تحدد الأهداف بدقة، وتوزع الأدوار بوضوح، وتؤسس لمؤسسات قادرة على العمل بعيدًا عن الارتجال والعشوائية. فبناء الدول لا يتم بالنيات الحسنة وحدها، بل بالتخطيط المحكم والعمل المتواصل.
كما تزداد مسؤولية النخب والمفكرين، داخل الأطر السياسية وخارجها، في هذه المرحلة الحساسة. فدورهم لا ينبغي أن يقتصر على التنظير أو توصيف الواقع، بل يجب أن يمتد إلى المبادرة الفعلية لجمع الصفوف، وفتح قنوات الحوار بين مختلف المكونات، والعمل على صياغة رؤية مشتركة تتحول من مجرد أفكار إلى خطط، ومن خطط إلى واقع ملموس. فالتاريخ لا يُصنع بالانتظار، بل بالفعل.
وفي خضم هذه التحولات، يظل الدرس الأهم أن العالم لا ينتظر المترددين. من لا يرسم مستقبله بيده، سيجد نفسه جزءًا من مخططات الآخرين، تُفرض عليه من الخارج ولا تعكس تطلعاته الحقيقية. الجنوب اليوم أمام لحظة حاسمة، تتطلب شجاعة القرار ووضوح الرؤية.
إنه خيار لا يحتمل التأجيل: إما أن يتحول الجنوب إلى مشروع دولة حقيقي، يقوم على الشراكة والمؤسسات والإرادة المستقلة، أو يبقى ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي. وبين هذين المسارين، تقف الإرادة الجنوبية وحدها كعامل الحسم، فإما أن تكتب فصلًا جديدًا في التاريخ، أو تتركه يُكتب عنها.

فيديو