صمت محسوب أم انعطافة كبرى؟.. الحوثيون بين إغراء الرياض وثقل الارتباط بطهران

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                       

في لحظة إقليمية شديدة السيولة، حيث تتبدل التحالفات وتتقاطع المصالح على وقع التحولات الدولية، يبرز صمت جماعة الحوثي كواحد من أكثر المواقف إثارة للتساؤل. صمت لا يبدو عابرًا أو ناتجًا عن ارتباك، بل أقرب إلى حالة ترقب دقيقة، تُدار فيها الحسابات بعناية، وتُوزن فيها الخيارات بميزان الربح والخسارة في مرحلة قد تعيد تشكيل خريطة النفوذ في اليمن والمنطقة.
هذا الصمت يأتي في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تغيرات في طبيعة العلاقة بين القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا مع محاولات تهدئة التوترات وإعادة ترتيب الأولويات. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل نحن أمام جماعة تعيد تموضعها بهدوء استعدادًا للانفتاح على الرياض، أم أن هذا الهدوء ليس سوى استراحة تكتيكية دون أي تغيير حقيقي في جوهر ارتباطها بطهران؟
القراءة الأولى ترى أن الحوثيين يدركون أن موازين القوى لم تعد كما كانت، وأن الاستمرار في نفس النهج قد يضعهم في عزلة متزايدة، خصوصًا مع تراجع زخم الصراعات المباشرة وتزايد الضغوط الدولية باتجاه التسويات السياسية. من هذا المنطلق، قد يكون الصمت خطوة أولى نحو اختبار قنوات جديدة، وربما إرسال إشارات غير مباشرة تفيد بالاستعداد للانخراط في ترتيبات مختلفة، حتى وإن كانت تدريجية. فالرياض، التي تسعى منذ فترة إلى الخروج من مستنقع الحرب اليمنية، قد تمثل خيارًا واقعيًا لتثبيت مكاسب الجماعة ضمن إطار سياسي معترف به، بدل البقاء في حالة مواجهة مفتوحة.
في المقابل، هناك من يرى أن الرهان على تحول استراتيجي في موقف الحوثيين قد يكون مبالغًا فيه. فالعلاقة مع طهران لم تكن مجرد تحالف عابر، بل تشكلت عبر سنوات من الدعم السياسي والعسكري، وتداخلت معها حسابات أيديولوجية وأمنية عميقة. وبالتالي، فإن أي فك ارتباط حقيقي لن يكون سهلًا أو سريعًا، بل قد يهدد تماسك الجماعة نفسها. وفق هذا المنظور، فإن الصمت ليس إلا جزءًا من تكتيك طويل الأمد، يهدف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق دون تقديم تنازلات جوهرية.
كما أن طبيعة الجماعة، التي اعتادت العمل في بيئة صراعية، تجعل من الصعب تصور تحولها السريع إلى لاعب سياسي تقليدي. فهي تستفيد من حالة اللاسلم واللاحرب، وتوظفها لتعزيز نفوذها الداخلي، وإدارة علاقاتها الخارجية بمرونة عالية دون التزامات واضحة. ومن هنا، قد يكون الصمت أداة لإبقاء جميع الخيارات مفتوحة، دون الانحياز الكامل لأي محور.
اللافت أن هذا الصمت يتزامن مع حراك دبلوماسي متسارع في المنطقة، ما يعزز فرضية أن الحوثيين يراقبون عن كثب مآلات هذه التحركات قبل اتخاذ أي خطوة. فهم يدركون أن أي قرار بالاقتراب من الرياض أو الابتعاد عن طهران لن يكون مجرد تغيير في الاتجاه، بل تحولًا استراتيجيًا قد يعيد تعريف موقعهم بالكامل.
في المحصلة، لا يمكن قراءة صمت الحوثيين بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع. فهو صمت يحمل في طياته رسائل متعددة، ويعكس حالة من الحذر الشديد في لحظة مفصلية. وبين من يراه تمهيدًا لانفتاح جديد، ومن يعتبره مجرد مناورة تكتيكية، تبقى الحقيقة مرهونة بما ستكشفه الخطوات القادمة، لا الأقوال ولا الصمت.
وفي انتظار تلك الخطوات، يظل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، حيث لا شيء محسوم بعد، وكل السيناريوهات تظل قائمة، من إعادة التموضع إلى تثبيت الواقع القائم، في لعبة سياسية معقدة لا تعترف إلا بلغة المصالح وتوازنات القوة.

فيديو