اليمن الكبير… شعار الوحدة أم كمين لتصفية قضيه شعب الجنوب؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد اليمني، يطفو إلى السطح مصطلح “اليمن الكبير” كواحد من أكثر الشعارات إثارة للجدل، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي، بل من حيث توقيته ودلالاته العميقة. فبينما يُروَّج له باعتباره مشروعًا جامعًا يعيد صياغة الدولة ويُنهي حالة التشظي، ينظر إليه قطاع واسع من الجنوبيين بريبة متزايدة، معتبرين أنه ليس سوى إعادة إنتاج لأدوات الهيمنة القديمة بصيغة جديدة، تهدف في جوهرها إلى احتواء القضية الجنوبية وتفريغها من مضمونها.

لم يعد الخلاف اليوم يدور حول شكل الدولة فحسب، بل حول النوايا الكامنة خلف المشاريع المطروحة. فالتجارب السابقة، وعلى رأسها مرحلة ما بعد وحدة 1990، وما أعقبها من حرب 1994، تركت جروحًا عميقة في الوعي الجنوبي، وجعلت أي دعوة لوحدة جديدة أو صيغة مركزية موسعة تُقابل بحذر شديد. هذا الحذر لا ينبع من رفض مبدئي لفكرة التعايش، بقدر ما هو انعكاس لتجارب مريرة ارتبطت بالإقصاء ونهب الموارد وتهميش الإرادة السياسية للجنوب.

وفي هذا السياق، يبدو أن طرح “اليمن الكبير” يأتي في لحظة حساسة، حيث تتقاطع فيه مصالح قوى داخلية وخارجية تسعى لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم استقرارًا شكليًا على حساب القضايا الجوهرية. فبدلًا من الاعتراف بالقضية الجنوبية كقضية سياسية قائمة بذاتها، يجري القفز عليها عبر مشاريع فضفاضة تُغلف بخطاب وطني جامع، لكنها في الواقع تتجاهل جذور الأزمة وتتعامل معها كملف يمكن احتواؤه لا حله.

اللافت أن هذا الطرح يتزامن مع محاولات لإعادة تشكيل مراكز النفوذ على الأرض، سواء عبر ترتيبات عسكرية أو سياسية، ما يعزز الشكوك بأن “اليمن الكبير” ليس مشروعًا بريئًا بقدر ما هو أداة لإعادة توزيع القوة، مع ضمان بقاء القرار النهائي بعيدًا عن الإرادة الجنوبية المستقلة. فالقضية هنا لم تعد مجرد خلاف على حدود أو سلطات، بل صراع على الهوية والحق في تقرير المصير.

وفي ظل هذا المشهد، يطرح الجنوبيون تساؤلات مشروعة: كيف يمكن الوثوق بمشروع لم يعترف حتى الآن بمظالم الماضي؟ وكيف يمكن القبول بصيغة جديدة دون ضمانات حقيقية تضمن عدم تكرار السيناريوهات السابقة؟ بل والأهم، هل يُراد من “اليمن الكبير” أن يكون إطارًا للحل، أم غطاءً لتأجيل الانفجار القادم؟
إن تجاهل هذه التساؤلات لا يعني اختفاءها، بل تراكمها بشكل قد يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا. فالقضية الجنوبية، التي صمدت رغم كل محاولات الاحتواء، لم تعد مجرد ورقة تفاوضية، بل تحولت إلى واقع سياسي واجتماعي لا يمكن تجاوزه بالشعارات.

وفي النهاية، قد يكون الخطر الحقيقي في “اليمن الكبير” ليس في فكرته بحد ذاتها، بل في الطريقة التي يُطرح بها، كبديل جاهز دون نقاش حقيقي، وكحل مفروض بدل أن يكون نتيجة توافق. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الأزمة: حين تتحول المشاريع الكبرى إلى أدوات لفرض واقع جديد، فإنها تفقد مشروعيتها، وتتحول من حلول محتملة إلى أزمات مؤجلة.

وبين شعار الوحدة ومخاوف التفكيك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام مشروع يعيد بناء الدولة على أسس عادلة، أم أمام فخ سياسي جديد يُعاد فيه تدوير الأزمة بصيغة أكثر قتامه.

فيديو