لماذا تحاول السعودية حل مشاكلها مع الشمال على حساب الجنوب وثرواته؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في خضم تعقيدات المشهد الجنوبي واليمني، تبرز تساؤلات ملحّة في الأوساط الجنوبية حول طبيعة الدور الإقليمي، وتحديدًا الدور السعودي، في إدارة الصراع وإعادة تشكيل ملامح الحلول السياسية. هذه التساؤلات لا تأتي من فراغ، بل من تراكمات سنوات من الحرب، وتبدّل الأولويات، وتضارب المصالح بين الأطراف المحلية والإقليمية، حيث يشعر كثير من الجنوبيين أن قضيتهم تحوّلت من محور رئيسي إلى ورقة ضمن حسابات أكبر.
منذ بداية التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن، كان الهدف المعلن هو دعم الشرعية واستعادة الدولة، لكن مع مرور الوقت، تغيّرت طبيعة الصراع، وبرزت أولويات جديدة لدى الرياض، أبرزها تأمين حدودها، وتقليل التهديدات المباشرة القادمة من الشمال، خاصة من جماعة الحوثيين. هذا التحول الاستراتيجي دفع نحو البحث عن تسويات—وان كانت جزئية—مع القوى المسيطرة في الشمال، وهو ما يفسره البعض بأنه محاولة لإغلاق ملف الشمال بأي صيغة ممكنة، حتى لو كان ذلك على حساب ملفات أخرى، مثل القضية الجنوبية.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الجنوب، بما يمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وثروات طبيعية وموانئ حيوية، أصبح جزءًا من معادلة التوازنات الإقليمية. فالمناطق الجنوبية ليست فقط ساحة نفوذ محلي، بل تمثل عمقًا اقتصاديًا وأمنيًا مهمًا، ما يجعلها محل اهتمام أطراف متعددة. وهنا يبرز القلق: هل يتم التعامل مع الجنوب كقضية سياسية عادلة، أم كأداة ضمن صفقات أوسع؟
البعض يذهب إلى أن السعودية تسعى إلى تحقيق استقرار سريع في اليمن يضمن لها تقليل الكلفة العسكرية والسياسية، خصوصًا في ظل ضغوط دولية ورغبة في التفرغ لمشاريعها الداخلية الكبرى. ومن هذا المنظور، قد تبدو التسويات مع الشمال خيارًا عمليًا، حتى لو تطلب ذلك إعادة ترتيب الأوراق في الجنوب بطريقة لا تعكس بالضرورة تطلعات أبنائه. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية مباشرة للإضرار بالجنوب، لكنه يعكس براغماتية سياسية قد تتجاهل تعقيدات الواقع المحلي.
في المقابل، هناك من يرى أن المشكلة لا تكمن فقط في الدور الخارجي، بل أيضًا في حالة الانقسام داخل الصف الجنوبي، وغياب رؤية موحدة قادرة على فرض القضية الجنوبية كأولوية لا يمكن تجاوزها. فالتباينات السياسية، والصراعات البينية، تضعف الموقف التفاوضي، وتمنح الأطراف الإقليمية مساحة أوسع لإعادة صياغة المشهد بما يتوافق مع مصالحها.
كما أن طبيعة العلاقات الإقليمية المعقدة، وتداخل الأجندات بين أكثر من طرف، تجعل من الصعب اختزال ما يحدث في نية طرف واحد فقط. فالسعوديه والقوى الدولية، وحتى الفاعلين المحليين، جميعهم يشاركون بدرجات مختلفة في تشكيل الواقع الحالي، ما يجعل الجنوب في قلب شبكة معقدة من المصالح والتوازنات.
ورغم ذلك، تبقى المخاوف الجنوبية قائمة، خاصة مع تكرار تجارب سابقة شعر فيها الجنوبيون بأن قضيتهم تم تهميشها أو تأجيلها ضمن صفقات أكبر. هذه المخاوف تتغذى من غياب الشفافية في بعض التفاهمات، ومن بطء تنفيذ الاتفاقات، ومن استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية في المناطق الجنوبية.
في النهاية، لا يمكن فهم ما يجري بمعزل عن السياق الأوسع: حرب طويلة، ضغوط دولية، تحولات إقليمية، وصراع على النفوذ. لكن ما هو واضح أن أي تسوية لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الجنوب وتطلعات أبنائه، قد لا تكون قابلة للاستمرار على المدى الطويل. فالقضايا المؤجلة غالبًا ما تعود بشكل أكثر تعقيدًا، والرهان على حلول جزئية قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة بدلًا من إغلاق القديمة.

فيديو