حين يصبح المواطن غريبًا في أرضه: الخنبشي وسياسات الإقصاء المقنّعة

تقارير - منذ 7 ساعات

خاص|عين الجنوب                       

في لحظة يفترض فيها أن تتجه البوصلة نحو ترسيخ العدالة والإنصاف وتعزيز حضور أبناء الأرض في إدارة شؤونهم، تبرز ممارسات تثير القلق وتفتح أبواب التساؤلات حول طبيعة النهج الذي يُدار به المشهد في حضرموت والجنوب عمومًا. فبدلًا من أن يكون التمكين لأبناء المحافظة اولا ثم لابناء الجنوب الذين يعرفون تفاصيلها وتاريخها واحتياجاتها، يبدو أن هناك توجّهًا مغايرًا يضع الأولوية لوجوه قادمة من خارج السياق المحلي، وكأن الأرض فقدت أبناءها أو عجزت عن تقديم الكفاءات التي تستحق الفرصة.
هذا التحول لا يُقرأ باعتباره مجرد قرارات إدارية عابرة، بل كجزء من نمط يتكرر بشكل يرسخ شعورًا متناميًا لدى أبناء حضرموت بأنهم يُدفعون تدريجيًا إلى هامش المشهد، بينما يتم تقديم آخرين لا يحملون ذات الارتباط الاجتماعي أو التاريخي بالمكان. وهو ما يخلق فجوة نفسية وسياسية بين المواطن والسلطة، ويغذي إحساسًا عميقًا بالغبن، خصوصًا في ظل واقع اقتصادي ومعيشي ضاغط يزيد من حساسية أي مظهر من مظاهر التمييز أو الإقصاء.
المفارقة أن هذا النهج يأتي في وقت تحتاج فيه حضرموت، كما الجنوب ككل، إلى توحيد الجهود وتعزيز اللحمة الداخلية لمواجهة التحديات المتراكمة، لا إلى فتح جبهات داخلية قائمة على الشعور بالمظلومية. فحين يرى الشاب الحضرمي والجنوبي أن الفرص تُمنح لغيره، وأن موقعه الطبيعي يُسلب منه لصالح من لا ينتمي إلى بيئته، فإن ذلك لا يضعف فقط ثقته بالمؤسسات، بل يدفعه أيضًا إلى إعادة النظر في مفهوم الشراكة ذاته.
الأمر لا يتعلق برفض الآخر أو الانغلاق، فحضرموت تاريخيًا كانت أرضًا للتعايش والانفتاح، لكن الفارق كبير بين الانفتاح القائم على التكامل، وبين الإحلال الذي يتم على حساب أبناء الأرض. فالأول يعزز التجربة ويغنيها، بينما الثاني يخلق حالة من التوتر ويهدد الاستقرار الاجتماعي، خصوصًا عندما يُفهم على أنه سياسة ممنهجة لا مجرد حالات فردية.
إن استمرار هذا النهج دون مراجعة جادة يهدد بإنتاج واقع أكثر تعقيدًا، حيث تتراكم مشاعر الإقصاء وتتحول إلى مواقف صلبة قد يصعب احتواؤها لاحقًا. فالقضية لم تعد مرتبطة بأشخاص أو مناصب بقدر ما أصبحت مرتبطة بهوية المكان وحق أبنائه في أن يكونوا شركاء حقيقيين في إدارته وصناعة مستقبله.
وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إلى متى سيبقى أبناء حضرموت والجنوب عمومًا في موقع المتفرج على قرارات تمس حاضرهم ومستقبلهم؟ وهل يمكن لأي مشروع سياسي أو إداري أن ينجح وهو يتجاهل أصحاب الأرض أو يقلل من شأنهم؟ الإجابة تبدو واضحة في وجدان الشارع، الذي لم يعد يقبل بسياسات الالتفاف أو التبرير، بل بات أكثر وعيًا وإصرارًا على انتزاع حقه في أن يكون في صدارة المشهد، لا في هامشه.

فيديو