مبدأ كارتر... العقيدة التي حكمت الخليج لأكثر من أربعة عقود.. اقترب زمن الأفول

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي شكّل ما عُرف بـ"مبدأ كارتر" أحد أهم المرتكزات الاستراتيجية للسياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، وظل لعقود بمثابة الخط الأحمر الذي رسم حدود المصالح الأمريكية وأولوياتها الأمنية والعسكرية. لكن التحولات الدولية المتسارعة، وتغير أسواق الطاقة، وصعود قوى دولية جديدة، تثير اليوم تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت هذه العقيدة التاريخية لا تزال صالحة، أم أن العالم يشهد بالفعل بداية نهاية مرحلة امتدت لأكثر من أربعين عاماً.
من أزمة النفط إلى إعلان العقيدة
جاء مبدأ كارتر في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، عقب الثورة الإيرانية عام 1979 والغزو السوفيتي لأفغانستان، حيث خشيت واشنطن من أن يؤدي أي اضطراب في الخليج إلى تهديد إمدادات النفط العالمية.
وفي خطابه السنوي أمام الكونغرس عام 1980، أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعد اعتداءً مباشراً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة، وأن واشنطن ستستخدم "جميع الوسائل اللازمة، بما فيها القوة العسكرية"، للدفاع عن تلك المصالح.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الخليج مجرد منطقة نفطية بالنسبة لواشنطن، بل تحول إلى محور دائم في استراتيجيتها العسكرية العالمية.
أربعة عقود من الحضور العسكري
ترجم مبدأ كارتر سريعاً إلى خطوات عملية، تمثلت في إنشاء قوات التدخل السريع، ثم توسعت لاحقاً لتصبح القيادة المركزية الأمريكية، مع انتشار قواعد عسكرية ضخمة في عدد من دول الخليج.
وتوالت الأحداث التي عززت هذا الوجود، بدءاً بحرب الناقلات في الثمانينيات، ثم حرب تحرير الكويت عام 1991، مروراً بالحرب على العراق، وانتهاءً بالحملات العسكرية ضد تنظيمات متطرفة، إضافة إلى عمليات حماية الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
وأصبح الوجود العسكري الأمريكي جزءاً ثابتاً من معادلة الأمن الإقليمي طوال العقود الماضية.
لماذا يتغير المشهد اليوم؟
لكن العالم الذي وُلد فيه مبدأ كارتر لم يعد هو نفسه اليوم.
فالولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الخليج كما كانت في الثمانينيات، بعد الطفرة الكبيرة في إنتاج النفط والغاز الصخري داخل أراضيها، وهو ما خفف من اعتمادها المباشر على واردات الطاقة من المنطقة.
وفي الوقت نفسه، باتت المنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تمثل الأولوية الأولى لصناع القرار في واشنطن، بينما تراجعت أهمية الشرق الأوسط مقارنة بملفات أخرى.
كما أن الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان خلقت داخل الولايات المتحدة توجهاً شعبياً وسياسياً يدعو إلى تقليل الانخراط العسكري الخارجي، والتركيز على المصالح الاقتصادية والتكنولوجية.
الخليج بين الشراكة والاعتماد الذاتي
بالتوازي مع ذلك، بدأت دول الخليج نفسها في إعادة صياغة سياساتها الأمنية، عبر تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب استمرار التعاون مع الولايات المتحدة.
كما اتجهت بعض الدول إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية المحلية، وبناء قدرات عسكرية أكثر استقلالية، بما يقلل من الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية.
وترافق ذلك مع محاولات إقليمية لخفض التوتر، وإطلاق مسارات للحوار بين بعض القوى المتنافسة، الأمر الذي خفف نسبياً من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة.
هل انتهى مبدأ كارتر؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قواعد عسكرية كبيرة في الخليج، ولا تزال تؤكد التزامها بأمن الممرات البحرية وحرية الملاحة، كما أن أي تهديد كبير لتدفق الطاقة العالمي قد يدفعها إلى التدخل سريعاً.
لكن في المقابل، تبدو واشنطن أقل استعداداً مما كانت عليه سابقاً لخوض حروب واسعة أو نشر قوات ضخمة بصورة دائمة، مفضلةً الاعتماد على الشراكات الإقليمية، والردع، والدبلوماسية، والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وبمعنى آخر، فإن جوهر المصالح الأمريكية لم يتغير بالكامل، لكن أدوات تنفيذها شهدت تحولاً واضحاً.
عالم متعدد الأقطاب
التغير الأكبر يتمثل في انتقال النظام الدولي نحو قدر أكبر من التعددية، حيث باتت الصين لاعباً اقتصادياً مؤثراً في الخليج، فيما تحاول روسيا الحفاظ على حضورها السياسي والعسكري في ملفات المنطقة.
هذا الواقع جعل الخليج ساحة تنافس دولي أكثر تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة، الأمر الذي يدفع دول المنطقة إلى اتباع سياسات أكثر توازناً في علاقاتها الخارجية.
مستقبل العقيدة الأمريكية
يرى عدد من المحللين أن مبدأ كارتر لم ينتهِ رسمياً، لكنه دخل مرحلة إعادة تعريف. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الخليج باعتباره الساحة الوحيدة التي تحدد أمنها القومي، بل كجزء من شبكة أوسع من المصالح العالمية، في ظل أولويات جديدة تشمل المنافسة مع القوى الكبرى، وأمن التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والطاقة بمفهومها الحديث.
خلاصة
بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو أن مبدأ كارتر يمر بمرحلة تحول أكثر من كونه نهاية كاملة. فالوجود الأمريكي في الخليج لا يزال قائماً، لكنه يتجه نحو نموذج أقل اعتماداً على التدخل العسكري المباشر، وأكثر اعتماداً على الشراكات والردع وتقاسم الأعباء مع الحلفاء.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يشهد الخليج نهاية العقيدة التي حكمت أمنه لعقود، أم أن المنطقة مقبلة على نسخة جديدة من مبدأ كارتر تتكيف مع عالم متعدد الأقطاب، دون أن تتخلى واشنطن عن مصالحها الاستراتيجية الأساسية؟

فيديو