قوات الطوارئ اليمنية بين نشوة التفاخر بالأمس ودموع التماسيح اليوم

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب || خاص :
في المشهد السياسي والإعلامي اليمني، كثيرًا ما تتبدل المواقف بتبدل الظروف، لكن يبقى التناقض الصارخ هو العنوان الأبرز لبعض الأصوات التي لا تجد حرجًا في تغيير خطابها وفقًا لمقتضيات اللحظة. وما جرى مؤخرًا عقب الضربة الحوثية التي استهدفت قوات الطوارئ اليمنية في منطقة العبر بمحافظة حضرموت، أعاد إلى الواجهة هذا المشهد بكل تفاصيله، وكشف حجم التباين بين خطاب الأمس وخطاب اليوم.
فعندما دخلت قوات الطوارئ اليمنية إلى حضرموت، امتلأت منصات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بأصوات احتفت بذلك الحدث، وقدّمته باعتباره انتصارًا على المجلس الانتقالي الجنوبي، بل ذهب البعض إلى التفاخر بأن تلك القوات تمثل قوة شمالية استطاعت – بحسب وصفهم – كسر شوكة الانتقالي وإعادة رسم موازين القوى في المحافظة.
ذلك الخطاب لم يكن يخفي نبرة الشماتة، ولا محاولات تصوير ما حدث باعتباره إنجازًا عسكريًا خالصًا لتلك القوات، متجاهلًا كل الملابسات التي أحاطت بالأحداث آنذاك. كما تجاهل أصحابه حقيقة أن التطورات العسكرية في اليمن غالبًا ما تتداخل فيها عوامل عديدة، من بينها الإسناد الجوي والدعم اللوجستي، وليس أداء أي قوة على الأرض وحده.
غير أن المشهد تبدل بصورة لافتة بعد الضربة الحوثية الأخيرة. فالأصوات التي كانت تتفاخر بالأمس اختفت منها لغة الانتصار، لتحل محلها دعوات التعاطف والاستعطاف، مع التركيز على أن غالبية أفراد تلك القوات هم من أبناء المحافظات الجنوبية، في محاولة واضحة لاستمالة الرأي العام الجنوبي وإثارة مشاعر التضامن.
هذا التحول يطرح تساؤلات عديدة حول طبيعة الخطاب الذي يُبنى على المصالح الآنية أكثر من اعتماده على مواقف ثابتة. فإذا كانت تلك القوات تُقدَّم سابقًا باعتبارها قوة شمالية حققت إنجازًا سياسيًا وعسكريًا، فكيف أصبحت اليوم تُقدَّم على أنها تضم في معظمها أبناء الجنوب عندما تعرضت للخسائر؟
إن المشكلة لا تكمن في الحديث عن هوية الأفراد المنتمين لأي تشكيل عسكري، فالمؤسسات العسكرية قد تضم أفرادًا من مختلف المحافظات، وإنما في توظيف هذه الحقيقة بصورة انتقائية، واستخدامها بحسب ما تفرضه الظروف السياسية والإعلامية.
كما أن استدعاء الانتماء الجغرافي عند وقوع الخسائر، بعد تجاهله في لحظات التفاخر، يعكس حالة من الازدواجية في الخطاب، ويجعل من دماء المقاتلين مادةً للمزايدات الإعلامية، وهو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام.
لقد أصبح الشارع أكثر قدرة على استحضار الوقائع وربط الأحداث ببعضها، ولم تعد الروايات المتناقضة تمر بسهولة كما كان يُعتقد. فالمتلقي اليوم يحتفظ بذاكرة قريبة، ويقارن بين ما قيل بالأمس وما يُقال اليوم، ويستطيع أن يميز بين المواقف المبدئية والخطابات التي تتغير بتغير موازين القوى.
إن احترام الرأي العام يبدأ باحترام ذاكرته، والابتعاد عن محاولات إعادة صياغة الأحداث بما يخدم اللحظة السياسية. أما تحويل المواقف من لغة التفاخر إلى لغة الاستجداء، ومن خطاب الإقصاء إلى خطاب طلب التعاطف، فهو لا يعكس سوى أزمة في المصداقية.
وفي النهاية، قد تختلف المواقف السياسية، وقد تتباين القراءات للأحداث، لكن الثابت أن التناقض الصارخ في الخطاب يظل كفيلًا بإضعاف أي رواية، مهما حاول أصحابها تجميلها. فالتاريخ القريب لا يُمحى بسهولة، والذاكرة الجمعية تحتفظ بما قيل وما كُتب، لتبقى الحقيقة حاضرة أمام كل محاولة لإعادة إنتاج المشهد بصورة مغايرة.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الخطاب الذي يقوم على المبالغة والتوظيف السياسي سرعان ما يصطدم بوقائع الميدان، وأن المصداقية تظل الرصيد الحقيقي لأي جهة أو صوت إعلامي، بينما تسقط الأقنعة عندما تتبدل الظروف، ليبقى السؤال حاضرًا: كيف يتحول من كان بالأمس يتفاخر بالقوة إلى من يستجدي التعاطف اليوم؟

فيديو