رواد الفنادق والاستثمار في دماء الجنوبيين.. انتصارات تُصنع في الميدان ويُراد حصدها من وراء المكاتب والغرف المكيفة

تقارير - منذ 1 ساعة

 عدن عين الجنوب ||خاص                  
في كل معركة خاضتها القوات الجنوبية، كانت الكلفة تُدفع على الأرض، بالدم والوقت والتضحيات، بينما كان هناك من ينتظر خلف الأبواب المغلقة ليتقدم بعد انتهاء المعارك، فيحاول تقديم نفسه باعتباره صاحب الإنجاز وصانع الانتصار. وبينما كان المقاتل الجنوبي يقف في الخطوط الأمامية، كانت قوى سياسية تتعامل مع نتائج المعارك باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب النفوذ وتقاسم المكاسب، بعيدًا عن حقيقة من خاض القتال ومن دفع الثمن.
هذه المفارقة صنعت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الجنوبي: من يملك حق الحديث باسم الانتصارات التي تحققت على الأرض؟ ومن يحق له أن يحصد ثمار تضحيات لم يكن طرفًا رئيسيًا في صناعتها؟
فالقوات الجنوبية لم تنظر إلى المعارك باعتبارها مجرد جولات عسكرية عابرة، بل خاضتها دفاعًا عن مناطقها وأمنها، وفي مواجهة تهديدات متعددة. وفي كل محطة عسكرية، كانت هناك أسماء لمقاتلين وقادة وجرحى وشهداء، تركوا خلفهم أسرًا تنتظر عودة أبنائها، فيما تحولت ساحات القتال إلى شاهد على حجم التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب.
لكن المشكلة تبدأ، وفق هذا الطرح، عندما تتحول تلك التضحيات إلى مادة سياسية تستخدمها أطراف لم تكن حاضرة في الميدان بالقدر نفسه، ثم يجري تقديم الانتصارات باعتبارها إنجازًا عامًا لقوى سياسية أو مؤسسات حكومية، بما يطمس أدوار القوات التي خاضت المعارك فعليًا.
وهنا يبرز مصطلح "رواد الفنادق"، باعتباره توصيفًا سياسيًا لمن يرى أن صناعة القرار أصبحت بعيدة عن ساحات القتال، وأن بعض النخب تحاول إدارة نتائج الحرب من غرف الاجتماعات، بينما يبقى المقاتلون وأسر الشهداء في مواجهة تبعاتها اليومية.
المشهد لا يتعلق فقط بمن يرفع راية الانتصار، وإنما بما يترتب عليه من نفوذ وموارد وقرارات ومواقع سياسية. فالانتصار العسكري غالبًا ما يتحول إلى ورقة تفاوضية، ومن ينجح في السيطرة على رواية الانتصار يستطيع، سياسيًا، أن يطالب بحصة أكبر من القرار والسلطة والموارد.
ومن هنا تأتي حساسية القضية الجنوبية؛ إذ يرى أنصارها أن الاعتراف بتضحيات القوات الجنوبية يجب ألا يقتصر على البيانات والخطب، بل ينبغي أن ينعكس في تمثيل سياسي واضح، وفي حماية حقوق أسر الشهداء والجرحى، وفي عدم إعادة صياغة التاريخ العسكري بطريقة تتجاهل من كانوا في مقدمة الصفوف.
إن دماء الجنوبيين ليست رقمًا في بيانات المعارك، وانتصاراتهم ليست ملكًا لمن يصل إلى المنصة بعد انتهاء المعركة. فكل انتصار له جنود وقادة وجرحى وشهداء، وكل مدينة استعادت أمنها تعرف جيدًا من وقف على خطوط المواجهة عندما كانت المخاطر في أعلى مستوياتها.
والأكثر أهمية أن الذاكرة الشعبية لا تنظر إلى الانتصارات باعتبارها عناوين سياسية قابلة لإعادة التوزيع، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ دفع الناس ثمنه من أبنائهم وأمنهم ومستقبلهم. ولذلك فإن محاولة إعادة تقديم المشهد بطريقة تمنح أصحاب النفوذ السياسي كامل الفضل، بينما تختزل أدوار المقاتلين في هامش الرواية، ستظل محل اعتراض وجدل.
إن معادلة ما بعد الحرب يجب أن تكون مختلفة: من قاتل لا يُهمَّش، ومن ضحى لا يُنسى، ومن فقد ابنه لا ينبغي أن يسمع بعد ذلك أن تضحياته كانت مجرد تفصيل في مشروع سياسي لم يكن له فيه صوت.
وفي النهاية، فإن الانتصارات الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر باسمها، ولا بعدد المؤتمرات التي تُعقد حولها، ولا بعدد السياسيين الذين يتقدمون الصفوف لالتقاط صورها. الانتصار يُقاس بمن دفع ثمنه، وبمن حافظ عليه، وبما إذا كانت تضحيات المقاتلين قد تحولت إلى أمن واستقرار وعدالة ومؤسسات تحفظ حقوق الناس.
ولهذا فإن المعركة على رواية الانتصار لا تقل أهمية عن المعركة التي سبقته؛ لأن سرقة الإنجاز من أصحابه لا تمحو الحقيقة، كما أن الجلوس في الفنادق لا يمنح صاحبه تلقائيًا حق امتلاك تاريخ صنعه المقاتلون في الميدان.
فالدماء التي صنعت الانتصار لا يمكن أن تتحول إلى منصة يصعد إليها الآخرون، ولا يجوز أن يصبح المقاتل وقودًا للمعركة بينما يصبح غيره صاحب الفاتورة السياسية والمكاسب بعدها.

فيديو