«الجنود الوهميون» يفجّرون ملف الرواتب في تعز ومأرب.. اتهامات بوجود منظومة فساد ورفض للصرف البنكي يثير الشبهات

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص                

أعاد ملف مرتبات القوات العسكرية في محافظتي تعز ومأرب إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اليمني، بعد اتهامات أطلقها الناشط اليمني أنور العامري، تحدث فيها عن وجود اختلالات كبيرة في كشوفات القوى العسكرية، مدعياً أن نسبة تصل إلى 70% من الجنود الذين يطالب حزب الإصلاح بصرف مرتباتهم في المحافظتين هم من «الجنود الوهميين»، في اتهام خطير يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن حجم الفساد الذي قد يكون متغلغلاً في منظومة الرواتب العسكرية.
وبحسب ما نشرته مصادر مطلعه ، فإن العامري اتهم قيادات وعناصر تابعة لحزب الإصلاح في تعز ومأرب بالإصرار على رفض انتقال صرف مرتبات العسكريين إلى الحسابات البنكية، معتبراً أن هذا الرفض، من وجهة نظره، لا يرتبط فقط بإجراءات إدارية أو فنية، وإنما يمثل محاولة للإبقاء على كشوفات غير حقيقية يصعب التدقيق فيها بصورة مباشرة.
وتكتسب هذه الاتهامات أهمية خاصة في ظل الجدل المتواصل حول كشوفات المرتبات العسكرية، وما إذا كانت جميع الأسماء المدرجة فيها تعود إلى أفراد موجودين فعلياً ويؤدون مهامهم العسكرية، أم أن بعضها يمثل أعداداً وهمية تُستغل للاستحواذ على مبالغ مالية يفترض أن تذهب إلى الجنود والضباط المستحقين.
ويرى العامري أن اعتماد الصرف عبر الحسابات البنكية من شأنه أن يضع حداً لمساحات واسعة من التلاعب، باعتبار أن انتقال الراتب مباشرة إلى حساب المستفيد يفرض قدراً أكبر من التدقيق في هوية صاحب الاستحقاق ويجعل عملية كشف الأسماء الوهمية أو المكررة أكثر سهولة، مقارنة بأنظمة الصرف التقليدية التي تترك مجالاً أوسع للوسطاء والمتنفذين.
وفي المقابل، فان مجرد طرح هذه النسبة بهذا الحجم يعكس مستوى القلق الشعبي والسياسي المتنامي بشأن إدارة المال العام ومرتبات المؤسسات العسكرية والأمنية.
ولم تتوقف الاتهامات عند ملف المرتبات، إذ ربط العامري القضية بما قال إنها تصريحات أخيرة لوزير الدفاع بشأن وجود اختلالات في كشوفات الرواتب، معتبراً أن تلك التصريحات تعزز الحاجة إلى فتح مراجعة شاملة ودقيقة لأسماء القوات والرتب والاستحقاقات المالية، بما يكشف حقيقة الأعداد الموجودة على الأرض مقارنة بما هو مسجل في الملفات الرسمية.
وتتجاوز القضية، في حال ثبوت وجود أعداد كبيرة من الأسماء غير الحقيقية، مجرد مشكلة إدارية في كشوفات الرواتب، لتتحول إلى ملف يتعلق بالمال العام وبنية المؤسسات العسكرية وقدرتها على إدارة موارد الدولة بصورة شفافة. فكل اسم وهمي في كشف راتب يعني، عملياً، مبلغاً مالياً يُصرف دون مقابل حقيقي، وهو ما يضاعف الأعباء على خزينة الدولة ويقلل من قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والعسكريين الفعليين.
كما أثار الناشط تساؤلات أوسع حول القطاعات الاقتصادية التي ترتبط بمصادر الإيرادات في محافظة مأرب، خصوصاً النفط والغاز، مدعياً أن حجم التجاوزات في تلك القطاعات قد يكون أكبر من الاختلالات الموجودة في كشوفات المؤسسة العسكرية، وهي اتهامات أخرى تحتاج بدورها إلى وثائق وعمليات تدقيق مستقلة لإثباتها أو نفيها.
ويضع هذا الجدل السلطات المعنية أمام اختبار حقيقي، إذ إن أفضل طريقة لحسم الاتهامات ليست عبر البيانات السياسية أو تبادل الاتهامات، وإنما من خلال فتح كشوفات القوات العسكرية أمام لجان تدقيق مستقلة، ومطابقة الأسماء مع سجلات الخدمة والبيانات البيومترية، وربط المرتبات بالحسابات البنكية للمستفيدين الفعليين.
كما أن تطبيق نظام الصرف البنكي بصورة شفافة يمكن أن يشكل خطوة عملية نحو تضييق منافذ الفساد، شرط أن ترافقه آليات دقيقة للتحقق من هوية المستفيدين وضمان عدم وجود حسابات وسيطة أو وكلاء يستحوذون على مرتبات الجنود تحت أي مبرر.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد ، يصبح ملف المرتبات أكثر حساسية من أي وقت مضى، خصوصاً بالنسبة للجنود والموظفين الذين ينتظرون رواتبهم بصورة منتظمة لإعالة أسرهم. ولذلك فإن أي تلاعب محتمل في هذه الأموال لا يمثل مجرد مخالفة مالية، بل ينعكس بصورة مباشرة على حياة آلاف الأسر وعلى مستوى الثقة بالمؤسسات الحكومية.
وتعيد هذه القضية كذلك طرح سؤال أكبر حول مستقبل الإصلاح الإداري والمالي داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، وما إذا كانت الدولة قادرة على الانتقال من أنظمة الصرف التقليدية إلى منظومة مالية حديثة تقوم على قواعد بيانات دقيقة وشفافة وقابلة للمراجعة والمساءلة.
وفي نهاية المطاف، تبقى الاتهامات التي أطلقها أنور العامري بحاجة إلى تحقيق رسمي وشفاف، لكن الجدل الذي أثارته يكشف بوضوح أن ملف كشوفات المرتبات العسكرية لم يعد قضية مالية هامشية، بل أصبح واحداً من الملفات التي تتطلب معالجة عاجلة، تبدأ بالكشف عن حقيقة الأعداد الفعلية للقوات، وتنتهي بضمان وصول كل ريال من رواتب الدولة إلى مستحقه الحقيقي، بعيداً عن النفوذ والوساطة وأي منظومة محتملة للفساد.

فيديو