الجنوب أمام مفترق حاسم.. لا للحوثي ولا لإهدار سنوات جديدة من عمر القضية

تقارير - منذ 31 دقيقة

عدن ، عين الجنوب|| خاص      

لم يعد الموقف الجنوبي من مليشيا الحوثي بحاجة إلى كثير من التوضيح؛ فسنوات الحرب الماضية أظهرت أن القوى الجنوبية كانت في صدارة المواجهات العسكرية مع الحوثيين، وأن الجنوب دفع أثمانًا كبيرة على امتداد الجبهات، في وقت ظل فيه ملفه السياسي حاضرًا بوصفه أحد أكثر ملفات الصراع تعقيدًا وحساسية.
وتشير تجربة السنوات الماضية إلى أن المواجهة مع الحوثيين لم تكن بالنسبة للقوى الجنوبية مجرد معركة عابرة، بل ارتبطت بصورة مباشرة بأمن المناطق الجنوبية وحماية مدنها وممراتها الحيوية. ومنذ معارك تحرير الجنوب عام 2015، شاركت تشكيلات وقوات جنوبية في مواجهات واسعة ضد الحوثيين، وقدمت خسائر كبيرة، فيما بقيت جبهات عديدة مفتوحة بدرجات متفاوتة.
ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو المشروع الجنوبي أن التعامل مع الجنوب باعتباره طرفًا ثانويًا في معادلة الحرب أدى إلى إضاعة فرص كان يمكن أن تغير مسار المواجهة. ويطرح هذا الرأي تصورًا مفاده أن بناء قوة عسكرية جنوبية أكثر تنظيمًا وتسليحًا وتأهيلًا، عقب تحرير معظم المحافظات الجنوبية عام 2015، كان يمكن أن يمنح التحالف والقوى المناهضة للحوثيين قدرة أكبر على إدارة جبهات استراتيجية، خصوصًا في المناطق الساحلية والممرات الحيوية.
غير أن السنوات التالية لم تسر وفق هذا التصور. فقد ظل الجنوب، بحسب منتقدين للسياسات التي اتبعت خلال المرحلة الماضية، يواجه في الوقت نفسه تحديات متعددة: تدهور الخدمات، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الأمنية، والتهديدات الإرهابية، إلى جانب استمرار التوتر السياسي والعسكري حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة.
ويرى الخطاب الجنوبي أن استمرار هذه الأزمات استنزف المجتمع وأبعد الاهتمام عن جوهر القضية السياسية، فيما تحولت الملفات الخدمية والاقتصادية والأمنية إلى أزمات متراكمة يدفع المواطن ثمنها بصورة مباشرة.
وفي المقابل، فإن الحديث عن وجود تفاهمات بين قوى سياسية شمالية والجانب السعودي، أو عن سياسات تستهدف إبقاء الجنوب ضمن ترتيبات سياسية معينة، يبقى موضوعًا سياسيًا خلافيًا تتعدد بشأنه التفسيرات والمصالح. ويشير مؤيدو هذا الطرح إلى أن الصراع على النفوذ في محافظتي حضرموت والمهرة، إلى جانب الخلاف حول مستقبل الجنوب، شكّل أحد أبرز ملفات التوتر خلال السنوات الأخيرة.
وبعيدًا عن تفاصيل الحسابات الإقليمية، فإن القضية الأكثر إلحاحًا بالنسبة للجنوبيين تتمثل في سؤال المستقبل: إلى متى يستمر استنزاف الوقت والموارد دون الوصول إلى معالجة سياسية واضحة للقضية الجنوبية؟
فمرور السنوات لا يعني بالضرورة حل الأزمات، بل قد يؤدي في بعض الحالات إلى تعميقها. وكل عام يمر دون تسوية سياسية واضحة يترك آثارًا إضافية على الاقتصاد والخدمات والأمن، ويزيد من صعوبة بناء مؤسسات مستقرة قادرة على الاستجابة لتطلعات السكان.
ومن هنا تبرز أهمية ترتيب البيت الجنوبي، وتوحيد الرؤية السياسية، وتقوية المؤسسات، وفتح المجال أمام حوار جنوبي مسؤول يبحث في شكل المستقبل بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. فاختلاف القوى الجنوبية أمر طبيعي في أي مجتمع سياسي، لكن استمرار الخلافات دون إطار جامع قد يحول التنوع السياسي إلى عامل استنزاف دائم.
كما أن مواجهة الحوثيين، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تكون مبررًا لتأجيل معالجة القضية الجنوبية إلى أجل غير مسمى. فالمواجهة العسكرية والملف السياسي يمكن أن يسيرا بالتوازي، بحيث تكون مكافحة التهديدات الأمنية جزءًا من رؤية أوسع للاستقرار، وليس بديلًا عن معالجة جذور الأزمة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغًا طويلًا؛ إذ سرعان ما تملؤه ترتيبات ومصالح وقوى أخرى. ولذلك فإن ترك مستقبل الجنوب بلا رؤية واضحة يفتح الباب أمام استمرار الصراعات على النفوذ، ويجعل القرار الجنوبي عرضة للتأثر بحسابات أطراف متعددة.
والرسالة التي يطرحها هذا الخطاب اليوم هي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى صحوة سياسية حقيقية، وإلى إعادة ترتيب الأولويات، ووضع مصلحة المجتمع الجنوبي وأمنه واستقراره ومستقبله في مقدمة الحسابات.
فالجنوب، وفق رؤية أنصاره، لا يريد أن يعيش دورة جديدة من الاستنزاف، ولا أن تتحول السنوات المقبلة إلى نسخة أخرى من السنوات الماضية. بل يريد أن يرى ثمرة التضحيات في مؤسسات قوية، وأمن مستقر، واقتصاد قادر على النهوض، وخدمات تحفظ كرامة المواطنين، ومسار سياسي واضح يعالج القضية الجنوبية بدل إبقائها معلقة.
وفي النهاية، فإن المعركة مع الحوثيين تمثل جانبًا من المشهد، لكنها ليست كل المشهد. أما التحدي الأكبر فهو قدرة القوى الجنوبية على تحويل التضحيات المتراكمة إلى مشروع سياسي ومؤسسي واضح، يحفظ القرار الجنوبي ويمنع الارتهان لأي طرف، ويضع مستقبل الأجيال المقبلة فوق حسابات النفوذ والصراعات المؤقتة.
فالمرحلة المقبلة، كما يراها أنصار القضية الجنوبية، لا تحتمل مزيدًا من إهدار الوقت، ولا مزيدًا من الانتظار. المطلوب هو صحوة سياسية، ووحدة صف، ومؤسسات قادرة، ورؤية واضحة للمستقبل؛ لأن استمرار الفراغ قد يطيل أمد الأزمة، بينما امتلاك القرار والرؤية يفتح الطريق أمام معالجة أكثر استدامة لقضايا الجنوب.

فيديو