الزج بالقوات الجنوبية خارج حدود الجنوب.. محـرقة جديدة يُخشى أن يدفع الجنوبيون ثمنها

تقارير - منذ 3 ساعات

عين الجنوب|| خاص :
في ظل التعقيدات السياسية والعسكرية التي تعصف بالمشهد اليمني، يبرز ملف الزج بالقوات الجنوبية في معارك خارج حدود الجنوب باعتباره واحدًا من أكثر الملفات حساسية وخطورة، لما يحمله من تداعيات مباشرة على مستقبل القضية الجنوبية، وعلى أمن واستقرار المحافظات الجنوبية، وعلى حياة آلاف الجنود الذين يجدون أنفسهم أمام معادلات عسكرية وسياسية تتجاوز حدود مهامهم ومصالح شعبهم.
فالقوات الجنوبية التي تشكلت في خضم سنوات طويلة من الحرب والصراع، وخاضت معارك عديدة دفاعًا عن مناطق الجنوب، باتت اليوم أمام اختبار بالغ الصعوبة: هل تُستخدم لحماية الأرض الجنوبية وتأمينها، أم يجري الدفع بها إلى جبهات بعيدة لتكون طرفًا في صراعات لا تنتهي، بينما تظل القضايا الأساسية التي ينادي بها شعب الجنوب معلقة؟
السؤال هنا ليس عسكريًا فقط، بل سياسي وأخلاقي أيضًا؛ لأن إرسال أي قوة عسكرية إلى خارج نطاقها الجغرافي لا يعني مجرد انتقالها من جبهة إلى أخرى، وإنما يعني وضعها في بيئة سياسية وعسكرية مختلفة، قد تتشابك فيها الحسابات الإقليمية والمحلية، وقد تتحول فيها القوات المشاركة إلى وقود لصراع طويل لا يعرف أحد كيف ومتى ينتهي.
ويخشى كثيرون من أن يتحول هذا السيناريو إلى "محرقة جديدة للجنوبيين"، خصوصًا إذا جرى الدفع بالقوات الجنوبية إلى معارك مفتوحة دون ضمانات واضحة بشأن أهدافها، وقيادتها، ومهمتها، والجهة التي تتحمل مسؤولية نتائجها، والأهم من ذلك: ماذا سيحصل للجنوب إذا استنزفت هذه القوات في جبهات بعيدة؟
إن تجربة السنوات الماضية تؤكد أن الجنوبيين دفعوا أثمانًا باهظة في الحروب المتعاقبة، وسقط منهم آلاف القتلى والجرحى، بينما بقيت الملفات السياسية المرتبطة بمستقبل الجنوب دون حل نهائي. ولذلك فإن أي قرار بإرسال القوات الجنوبية إلى خارج مناطقها يجب ألا يُنظر إليه باعتباره قرارًا عسكريًا عابرًا، بل باعتباره قضية تمس الأمن القومي الجنوبي ومستقبل القضية الجنوبية برمتها.
من يحمي الجنوب إذا ذهبت قواته إلى الخارج؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة: إذا خرجت القوات الجنوبية من مناطق انتشارها الرئيسية للمشاركة في معارك بعيدة، فمن سيتولى حماية المدن والمنشآت والحدود والممرات الحيوية في الجنوب؟ وهل تمتلك الأطراف الأخرى القدرة والإرادة الكافية لسد أي فراغ أمني قد ينشأ نتيجة ذلك؟
فالفراغ العسكري لا يبقى فراغًا طويلًا، وغالبًا ما تسعى أطراف متعددة إلى استغلاله لتحقيق مكاسب سياسية أو ميدانية. ومن هنا فإن نقل القوات الجنوبية بعيدًا عن مناطقها قد يخلق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ثغرات أمنية يمكن أن تستفيد منها الجماعات المسلحة أو القوى المنافسة.
كما أن استنزاف القوات في معارك خارجية قد يؤدي إلى إنهاك بنيتها البشرية والعسكرية، خصوصًا إذا طال أمد المواجهات. وفي الحروب، لا تقاس الخسائر بعدد القتلى والجرحى فقط، وإنما أيضًا بما يترتب عليها من تراجع في الجاهزية، واستنزاف للموارد، وإضعاف للقدرات الدفاعية.
الجنوبيون لا يريدون أن يكونوا وقودًا لحروب الآخرين
المعضلة الأساسية تكمن في أن القوات الجنوبية لا ينبغي أن تتحول إلى قوة يتم استخدامها وفقًا لحسابات الآخرين، مهما كانت طبيعة التحالفات أو الظروف السياسية.
فالتحالفات العسكرية قد تكون ضرورية في بعض الظروف، لكن التحالف الحقيقي يجب أن يقوم على وضوح الأهداف وتكافؤ المصالح والضمانات المتبادلة، لا على أن يقدم طرف واحد أبناءه وقواته ودماءه بينما تتولى أطراف أخرى رسم النتائج السياسية التي ستأتي بعد انتهاء المعركة.
ومن حق الشارع الجنوبي أن يسأل: ما الهدف النهائي من أي عملية عسكرية يُطلب من القوات الجنوبية المشاركة فيها؟ وما الضمانات التي تحول دون تكرار سيناريوهات سابقة دفعت فيها القوات الجنوبية ثمنًا عسكريًا كبيرًا دون أن ينعكس ذلك على القضية السياسية التي يناضل من أجلها شعب الجنوب؟
المعركة ليست مجرد خريطة عسكرية
الخطأ الذي قد يقع فيه البعض هو التعامل مع القضية باعتبارها مجرد تحريك ألوية من نقطة إلى أخرى. لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فكل تحرك عسكري كبير يحمل معه تداعيات سياسية واجتماعية وأمنية.
وقد يؤدي الزج بالقوات الجنوبية في صراعات خارج حدود الجنوب إلى خلق حالة من الاحتقان الشعبي، خصوصًا إذا لم تكن هناك رؤية واضحة ومعلنة تشرح طبيعة المهمة وأهدافها ومآلاتها.
كما أن أي خسائر بشرية كبيرة قد تفتح الباب أمام أسئلة أكثر صعوبة حول جدوى المشاركة، ومن يتحمل المسؤولية السياسية والعسكرية عنها، وما إذا كانت النتائج المتوقعة تستحق التضحيات التي ستُدفع.
الجنوب أولًا.. والدم الجنوبي ليس ورقة تفاوض
المطلوب اليوم ليس الدخول في مواجهة مع أحد، ولا الانغلاق أمام أي تعاون عسكري مشروع، وإنما وضع مصلحة الجنوب وحماية أبنائه في مقدمة أي قرار.
فالدم الجنوبي ليس ورقة تفاوض، والقوات الجنوبية ليست قوة بلا هوية أو قضية، وأي قرار بإرسالها إلى خارج الجنوب يجب أن يكون محكومًا بمصلحة واضحة ومعلنة، وبضمانات سياسية وعسكرية تمنع تحويلها إلى قوة استنزاف في صراعات مفتوحة.
وفي المقابل، فإن حماية الجنوب لا تعني التخلي عن المسؤوليات الوطنية أو مواجهة التهديدات القائمة، وإنما تعني أن تكون المشاركة العسكرية محسوبة بدقة، وأن تعرف القوات إلى أين تذهب، ولماذا تذهب، ومن يقودها، وما الذي ستعود به بعد انتهاء المهمة.
هل تتكرر أخطاء الماضي؟
الخشية الأكبر أن تتكرر أخطاء مراحل سابقة، حيث يخوض الجنوبيون المعارك ويدفعون الثمن البشري الأكبر، ثم تأتي التسويات السياسية لتعيد ترتيب المشهد بعيدًا عن تطلعاتهم.
ولهذا فإن أي تحرك عسكري جديد يحتاج إلى قراءة مختلفة، لا تقوم على الحماس وحده، ولا على الشعارات، وإنما على حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية الجنوبية.
فالمعركة التي لا يعرف المقاتل لماذا يخوضها، ولا يعرف الشعب ماذا سيجني منها، قد تتحول مع مرور الوقت إلى استنزاف بلا نهاية.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأوضح: القوات الجنوبية وجدت أساسًا لحماية الجنوب وأمنه، وأي مشاركة لها خارج حدوده يجب ألا تتحول إلى طريق لاستنزافها أو تفريغ الجنوب من قوته الدفاعية.
فالجنوب الذي قدم تضحيات كبيرة خلال سنوات الحرب لا يريد حربًا جديدة تُضاف إلى سجل الحروب، ولا يريد أن يكون أبناؤه وقودًا لصراعات الآخرين. وما يحتاجه اليوم هو قرار سياسي واضح يحمي قواته، ويحفظ دماء أبنائه، ويضع مستقبل الجنوب ومصالح شعبه فوق كل الحسابات والصفقات.

فيديو