حضرموت بين الوصاية وسلطة الأمر الواقع.. من يدير القرار ومن يحمي ثروات المحافظة؟ تقرير يرصد مظاهر النفوذ والوصاية وتبدّل موازين القوة في حضرموت

تقارير - منذ 50 دقيقة

 عدن ، عين الجنوب ||خاص 

لم تعد حضرموت مجرد محافظة تقع على هامش الصراع اليمني، بل أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس على النفوذ والقرار والثروة، نظراً لموقعها الجغرافي وثرواتها النفطية ومساحتها الواسعة وامتدادها البحري. وخلال السنوات الأخيرة، تحولت المحافظة إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع محلية وإقليمية، الأمر الذي جعل سؤال من يملك القرار في حضرموت؟ أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ويستند الجدل حول ما يوصف بـ"الوصاية"السعودية إلى واقع سياسي وأمني متغير، إذ شهدت حضرموت خلال الفترة الماضية انتقالاً متكرراً في موازين القوة، وصولاً إلى التطورات العسكرية الكبرى في ديسمبر 2025 ويناير 2026، عندما تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة قبل أن تتراجع قواته تحت ضغط عسكري سعودي وقوات مدعومة من الرياض 
وتؤكد مراكز دراسات يمنيه أن القوات التابعة للمجلس أُخرجت من حضرموت والمهرة مطلع يناير 2026 بفعل الغارات السعودية والقوات المدعومة من السعودية وقوى قبلية محلية.مدعومه خارج يا
حضرموت.. المحافظة التي تتجاوز حدودها المحلية
أهمية حضرموت لا تنبع منة حجمها الجغرافي فقط، وإنما من موقعها وثرواتها النفطية وإطلالتها البحرية، إضافة إلى قربها من الحدود السعودية.
ولهذا ارتبطت المحافظة، على مدى سنوات، بحسابات أمنية واقتصادية تتجاوز القرار المحلي. وتشير مراكز دراسات يمنيه إلى أن الرياض تتعامل مع حضرموت والمهرة بصورة مختلفة عن مناطق يمنية أخرى، بسبب الحدود المشتركة والروابط الاجتماعية، فضلاً عن الأهمية الاقتصادية للمحافظة وموقعها البحري.وثرواتها النفطيه 
ومن هنا يرى منتقدو الدور السعودي أن القضية لا تتعلق فقط بتقديم الدعم الأمني أو العسكري، وإنما بمدى تأثير القوى الخارجية في تحديد شكل السلطة وترتيبات الأمن والانتشار العسكري داخل المحافظة.
من النفوذ إلى سلطة الأمر الواقع
تظهر إحدى أكثر صور الصراع وضوحاً في ملف القوات العسكرية والأمنية.
ففي يناير 2026، أعلنت السلطات المحلية في حضرموت عملية لتسلم المعسكرات من قوات المجلس الانتقالي، بينما دعا المجلس في المقابل إلى دعم قوات النخبة الحضرمية وإعلان التعبئة.
وفي السياق نفسه، أكدت مصادر وتحليلات عسكرية أن قوات "درع الوطن" أصبحت صاحبة ثقل عسكري كبير في حضرموت، فيما وُصف التحرك بأنه محاولة لإعادة تشكيل الوضع العسكري والأمني في وادي حضرموت.
وهنا تبرز إشكالية جوهرية: هل الأمن في حضرموت نابع من قرار مؤسسات المحافظة، أم من ترتيبات عسكرية تفرضها موازين القوى الإقليمية؟
فإذا أصبحت القوة العسكرية هي العامل الحاسم في تحديد من يدير المعسكرات والمنافذ والموارد، فإن الأمر يتحول من إدارة مؤسساتية إلى ما يشبه "سلطة أمر واقع"، بغض النظر عن الجهة التي تمارسها.
الثروة النفطية.. الوجه الآخر للصراع
لا يمكن قراءة الصراع على حضرموت بمعزل عن النفط.
وفي ديسمبر 2025، أعلنت القوات الجنوبية ضبط أربع منشآت غير قانونية لتكرير واستخراج وتهريب المشتقات النفطية في منطقة الخشعة بوادي حضرموت، وقالت إن المنشآت كانت تعمل خارج الأطر القانونية. كما أشارت المعلومات المنشورة إلى أن النيابة العامة وجهت بفتح تحقيق شامل في القضية، بما في ذلك بحث مسؤولية المشغلين والممولين والداعمين وأي جهات يثبت تورطها أو تقصيرها.
وفي 27 ديسمبر، أُعلن كذلك عن ضبط مصفاة نفط غير قانونية داخل مزرعة في الخشعة، مرتبطة بأنابيب تمتد باتجاه الحقول النفطية، وفق ما نقلته مصادر عسكرية وإعلامية محلية.
هذه الوقائع، بصرف النظر عن نتائج التحقيقات القضائية النهائية، تكشف حجم الفوضى التي يمكن أن تنشأ عندما تصبح الموارد النفطية عرضة لشبكات النفوذ والتهريب والفساد.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: إذا كانت حضرموت تنتج الثروة، فلماذا لا يكون لأبنائها القرار الأكبر في إدارة مواردها وتحديد أولويات إنفاقها؟
الوصاية.. مصطلح سياسي أم واقع قابل للقياس؟
مصطلح "الوصاية" لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعار سياسي؛ بل يمكن قياسه من خلال مجموعة من المؤشرات، أبرزها:
مدى استقلال القرار الأمني والعسكري المحلي.
الجهة التي تتحكم في انتشار القوات والمعسكرات.
حجم التأثير الخارجي في تعيين أو دعم القوى الأمنية.
قدرة السلطة المحلية على إدارة الموارد والثروات.
مستوى مشاركة أبناء المحافظة في صناعة القرار.
قدرة المؤسسات المدنية والقضائية على محاسبة المتنفذين.
مدى خضوع أي قوة عسكرية للقانون والمؤسسات المحلية.
وبهذا المعنى، فإن الاعتراض على الوصاية لا يعني رفض التعاون الإقليمي أو الدعم العربي، وإنما يعني رفض أن يتحول الدعم إلى حق دائم في صناعة القرار المحلي.
أحداث الأمس تلقي بظلالها على الحاضر
ما حدث في حضرموت خلال ديسمبر 2025 ويناير 2026 يمثل محطة مفصلية؛ فقد شهدت المحافظة انتقالاً سريعاً في السيطرة العسكرية، قبل أن تتدخل السعودية بصورة مباشرة في المشهد، وفق ما وثقته تقارير بحثية وإعلامية.
وبالتالي، فإن استمرار حضور القوات المدعومة من الرياض في المحافظة خلال 2026 يعيد طرح السؤال نفسه: هل نحن أمام ترتيبات مؤقتة فرضتها ظروف الحرب، أم أمام إعادة هندسة طويلة المدى لخريطة النفوذ في شرق اليمن؟
حتى الموقع الرسمي لقوات "درع الوطن" يواصل نشر أخبار عن انتشار وتدريب وحدات تابعة لها في حضرموت والمناطق الشرقية خلال 2026، بما يعكس استمرار حضورها العسكري في هذه الجغرافيا.
بين حماية الأمن وحق تقرير المصير
لا يمكن إنكار أن حضرموت تحتاج إلى الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتهريب وحماية المنشآت النفطية. لكن الخلاف يبدأ عندما يصبح الأمن ذريعة لتكريس ترتيبات سياسية وعسكرية لا تحظى بتوافق محلي واسع.
فالأمن المستدام لا يُبنى فقط بالمعسكرات، ولا بالانتشار العسكري، وإنما بمؤسسات محلية قوية، وقضاء مستقل، وشفافية في إدارة الموارد، وتمثيل حقيقي لأبناء المحافظة.
كما أن مواجهة الفساد ونهب النفط لا ينبغي أن تكون انتقائية؛ فإذا كان هناك نفط يُنهب بصورة غير قانونية، فإن المطلوب هو فتح تحقيقات شفافة ومحاسبة جميع المتورطين، بصرف النظر عن انتماءاتهم ومناطقهم أو الجهات التي تقف خلفهم.
حضرموت أمام اختبار تاريخي
اليوم تقف حضرموت أمام اختبار بالغ الحساسية: إما أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو أن تصبح نموذجاً لإدارة محلية تستند إلى القانون والشراكة والشفافية.
والقضية الجنوبية، في الخطاب السياسي الجنوبي، لا يمكن فصلها عن حضرموت؛ كما أن أي مشروع مستقبلي للجنوب لن يكون قابلاً للاستقرار إذا تجاهل خصوصية حضرموت وحقوق أبنائها ودورهم في تقرير مستقبل محافظتهم.
وفي المقابل، فإن رفض الوصاية لا ينبغي أن يعني استبدال وصاية بأخرى، ولا نقل القرار من عاصمة إقليمية إلى قوة محلية مسلحة. المعيار الحقيقي هو أن يكون قرار حضرموت للحضرميين، في إطار مؤسسات قانونية، وبعيداً عن فرض الأمر الواقع من أي طرف.
الخلاصة
تكشف الأحداث السابقة والحالية أن جوهر الصراع في حضرموت يتجاوز مسألة السيطرة على المعسكرات؛ فهو صراع على القرار والثروة والهوية السياسية ومستقبل المحافظة.
وإذا كانت الوقائع التي جرى توثيقها عن تدخلات عسكرية وتبدلات في السيطرة ووجود منشآت نفطية غير قانونية تشير إلى شيء، فهي تشير إلى أن حضرموت ما زالت تدفع ثمن غياب صيغة مستقرة ومتوافق عليها لإدارة أمنها وثرواتها.
ومن هنا، فإن إنهاء ما يوصف بالوصاية لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات، بل عبر بناء مؤسسات حضرمية قادرة على حماية الأرض والثروة، وضمان الشفافية والمساءلة، ورفض أن تتحول المحافظة إلى منطقة نفوذ دائمة لأي طرف، داخلياً كان أم خارجياً.
فحضرموت ليست غنيمة حرب، وليست ورقة تفاوض، ولا ساحة لتبادل النفوذ؛ إنها أرض لها أهلها وثرواتها وتاريخها، ومستقبلها ينبغي أن يُصنع بإرادة أبنائها وبمؤسسات تحترم القانون.

فيديو