الجنوب ليس ورقة تفاوض.. إرادة شعب وقرار وطني لا يقبل المساومة

تقارير - منذ 17 دقيقة

عين الجنوب|| خاص                    

في خضم التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتزايد التحركات الدبلوماسية الرامية إلى إعادة ترتيب موازين القوى وصياغة تفاهمات جديدة بين الأطراف الإقليمية والدولية، تبرز قضية شعب الجنوب بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا. ولا يقتصر هذا التعقيد على ارتباطها بمستقبل الجنوب العربي فحسب، بل لما تمثلّه من اختبار حقيقي لمدى احترام إرادة الشعوب وحقوقها السياسية والوطنية، وسط تساؤلات متصاعدة عما إذا كانت الأطراف ستتعامل معها باعتبارها حقًا أصيلًا يستوجب المعالجة العادلة، أم ورقة قابلة للتوظيف والمساومة في صفقات أوسع لا تعكس تطلعات شعبها.
وتنطلق الرسالة الأبرز في هذا المشهد من حقيقة ثابتة مفادها أن الجنوب لن يكون ورقة تفاوض في تنازلات الآخرين، ولن يقبل أن يتحول مستقبله إلى بند هامشي على طاولة المساومات السياسية، أو أن تصبح تضحيات أبنائه وقودًا لتفاهمات تُعقد بعيدًا عن إرادتهم الحرة. فالقضية الجنوبية ليست تفصيلًا عابرًا في حسابات الإقليم ولا ملفًا يمكن فتحه وإغلاقه وفقًا للمصالح والمتغيرات، بل هي قضية شعب يمتلك ذاكرة وطنية وتاريخًا سياسيًا وتطلعات راسخة تقوده نحو تقرير مصيره بنفسه.
وقد أثبتت التجارب المتراكمة للسنوات الماضية أن تجاهل القضية الجنوبية أو محاولة تجاوزها في أي تسوية سياسية لا ينهيها، بل يفاقم تعقيداتها ويعمّق فجوة الثقة بين الأطراف المعنية، فالأزمات السياسية لا تُحل بفرض الوقائع أو الالتفاف على مطالب الشعوب، كما أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر تسويات مؤقتة تتجاهل جذور الصراع. ومن هنا، يظل أي مسار سياسي يتناول مستقبل اليمن والمنطقة ناقصًا ما لم يضع إرادة أبناء الجنوب في صلب النقاشات المتعلقة بمستقبلهم السياسي.
وتكمن خطورة المرحلة الراهنة في جنوح التفاهمات الإقليمية للتقدم أحيانًا على حساب القضايا المحلية حين تتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية مع حسابات النفوذ. ومثل هذه الظروف تفرض على الجنوب ضرورة امتلاك رؤية سياسية واضحة وموقف موحد يحمي قضيته من محاولات التهميش أو التوظيف؛ فالتقارب بين الدول يظل شأنًا تحكمه مصالحها الخاصة، لكن لا يجوز بحال أن تحول مخرجاته إلى التزامات مفروضة على شعب آخر لم يكن طرفًا في صياغتها، أو استخدامها لرسم مستقبل الجنوب بمعزل عن ممثليه وإرادته الشعبية.
وأمام الأثمان الباهظة والتضحيات الكبيرة التي قدمها الجنوبيون في سبيل الأمن والاستقرار، يرفض الشارع الجنوبي العودة إلى مربع الانتظار أو القبول بوعود سياسية لا تضمن مستقبلًا واضحًا، فالتجارب أثبتت أن الاتفاقات الخالية من ضمانات حقيقية تعرض نفسها للانهيار عند أول اختبار. وتستوجب هذه التحديات مسؤولية مضاعفة على عاتق القوى السياسية الجنوبية لتجاوز الخلافات البينية، وتعزيز التماسك الوطني، وبناء خطاب سياسي متزن يبتعد عن الحسابات الضيقة ويحصن الصف الداخلي ضد أي استغلال للانقسامات.
وفي المقابل، لا تعني حماية القضية الجنوبية الانغلاق أمام الحوار أو رفض المسارات الدبلوماسية، بل تعود للانخراط فيها من موقع المسؤولية والندية السياسية بما يضمن صون الحقوق الأساسية. فالشراكات مع دول الجوار يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بعيدًا عن فرض حلول جاهزة منقوصة. وإلى جانب ذلك، يفرض الموقع الجغرافي والاستراتيجي للجنوب وإشرافه على ممرات بحرية حيوية للتجارة وأمن المنطقة واقعًا يحتم التعامل مع شعبه كشريك أساسي في صناعة الاستقرار، لا كمساحة جغرافية لتنافس النفوذ.
وخلاصة القول إن أي سلام لا يحترم إرادة الشعب الجنوبي سيظل سلامًا ناقصًا وعرضة للتعثر، ولن تكون القضية الجنوبية يومًا ثمنًا لإنجاح تفاهمات الآخرين أو أداة ضغط متبادلة. وحده الحوار الجاد والتمثيل المسؤول واحترام الإرادة الشعبية يظلان الطريق الوحيد نحو استقرار حقيقي ومستدام يحفظ للجنوب حقه في تقرير مصيره وتأسيس علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي.

فيديو